الأسس الناظمة لرؤية وخطاب الرئيس غزواني: / محمد افو

لم يكن المؤتمر الصحفي للرئيس مجرد فرصة لتسليط الضوء على مستجدات العمل الحكومي أو رأي الرئيس في بعض الملفات التي تشغل الرأي العام  ، بل عرضا منضبطا لناظم فكري موحد ونموذجاً تفسيرياً شاملاً يمكن تعميمه ليس فقط على ردوده خلال المؤتمر الصحفي ، بل على كل ما صدر عنه من تصريحات وسياسات .

 إن جوهر هذا النموذج يقوم على الانتقال بالظواهر من سطحها "السياسي العابر" أو "الإجرائي الضيق" إلى عمقها "السلوكي، والثقافي، والمؤسسي"، 

فيما يلي سأحاول  تفكيك هذا الناظم الفكري عبر المحاور الرئيسية الكبرى في ردود الرئيس وتقديمه :

 أولاً: في ملف التشريع والحريات (تثقيف القانون وتحييد الشخصنة)

عندما سُئل الرئيس عن "قانون الرموز" والتحفظات المثارة حوله، لم يتخندق خلف الدفاع القانوني الجامد، بل فكك الإشكالية فكرياً عبر فصل "النص" عن "الشخص" حيث  انتقد التسمية الرائجة ("قانون الرموز") لأنها توحي ثقافياً بحماية "الأفراد" أو إرساء حصانة طائفية للنخبة الحاكمة.

مردفا بعد ذلك  تأصيل فلسفة القانون بوصفها أداة لحماية "الكيان المعنوي للأمة" والسلم الأهلي في وجه خطابات الكراهية والتفتيت السوسيولوجي.

وخلص إلى أن التشريع ليس وسيلة سلطوية للقمع، بل مظلة لحماية المجتمع من النزعات الانفعالية للأفراد ؛ مع إبقاء النص قابلاً للمراجعة ليتماشى مع تطور الوعي العام.

 

 ثانياً: في الملف الاجتماعي والتعليمي (بناء الهوية السلوكية المشتركة)

في إجاباته المتعلقة بالمشاريع الاجتماعية و"المدرسة الجمهورية"، تجاوز الرئيس لغة الأرقام المالية ليعبر  عن رؤيتة المتعلقة بــالهندسة الاجتماعية .

حيث عبر عن أن التعليم ليس مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل هو "أداة صهر سوسيولوجية" لتفكيك الفوارق الأثنية والطبقية بين مكونات المجتمع.

 و انطلق من أن إصلاح التعليم ومحاربة الهشاشة يتطلبان تغييراً في "العقلية الرعائية". إذ الغاية من دمج الشباب والفئات المغبونة تاريخياً عبر آليات مؤسسية  يهدف إلى تحويل المواطن من "مستهلك سلبي" للمساعدات إلى "عنصر إنتاجي فاعل" يعي حقه وواجبه بالتساوي.

ثالثاً: في ملف الحكامة والإدارة (إحلال العقلانية التكنوقراطية محل الزبائنية)

ففي رده على أسئلة الاختلالات الإدارية وبطء تنفيذ المشاريع التنموية، لجأ الرئيس إلى تفكيك بنية "الجمود البيروقراطي" بوصفه سلوكاً ثقافياً موروثاً:

وهنا رفض الرئيس منطق التبرير السياسي، وأصّل لإشكالية الإدارة باعتبارها أزمة "كفاءة بنيوية وثقافة عمل" ، وغاية هذا التأصيل هي تفكيك بنية القناعات الراسخة عن أن مسؤولية الفساد تقع بالكامل على عاتق الأنظمة السياسية  ، وهي بنية لا تستند لمنطق فكري  بل بقناعات شائعة لدى عامة الناس  .

وفي هذا السياق ، عبر الرئيس عن فاعلية ووجاهة ما يمن تسميته ب  "الخيار التضامني" في تجديد دماء الإدارة  ، حين عبر عن أن الإصرار على ضخ آلاف الأطر الشبابية في مفاصل الدولة لا يستهدف التوظيف الفني فحسب، بل يستهدف "خلخلة الثقافة الإدارية التقليدية" القائمة على المحسوبية والتباطؤ، واستبدالها بنخبة جديدة تتبنى قيم "المسؤولية، والإنتاجية، والمكاشفة الرقمية بالنتائج" ، وهو إصلاح تقتضيه رئية الرئيس القائمة على أن جل الإشكالات القائمة ينبغي أن تعالج بسياسات ذات بعد استراتيجب مؤصل فكريا ، وليس بمجرد اتخاذ قرارات .

 رابعاً: في الملف الأمني والدبلوماسي (فلسفة الاستيعاب الإنساني والسيادة العاقلة)

أثناء تعاطيه مع ملف الحدود الملتهب والأحداث في دولة مالي المجاورة وقضية اللاجئين، تجنب الرئيس الخطاب الشعبوي الحماسي، وأصّل للملف بناءً على "واقعية الأخلاق والمسؤولية الجيوسياسية" ، حيث رفض الانجرار وراء ردود الفعل اللحظية، مؤصلاً لعلاقة موريتانيا بجوارها من منظور سوسيولوجي وتاريخي يراعي المسؤولية الإنسانية والتاريخية  والاجتماعية العبارة للحدود ، دون التنازل عن مقتضيات السيادة .

فلم يقدم الرئيس تعامُل الدولة مع ملف أزمة اللاجئين في مخيم "امبره"  كعبء مالي أو سياسي، بل كالتزام أخلاقي وقانوني يفرضه الجوار. و هذا يعكس فكراً استراتيجياً يرى أن أمن موريتانيا القومي لا يتحقق بالانكفاء وبناء الجدران، بل بــالاستيعاب الذكي، واليقظة العسكرية الهادئة، وإدارة الأزمات بروح الدولة المسؤولة و المرجعية في المنطقة .

خامسا : المسؤولية في مواجهة السياسة 

ففي حديثه عن توسعتي الجامعة ومستشفى القلب ، انتقل  الرئيس من وظيفته السياسية إلى وظيفته الوطنية ، فطوال العقود الماضية ظل الأداء التنموي مجرد أداة سياسية ، وهذا القلب هو ما نتجت عنه جملة من الاختلالات من أهمها تضخم الغاية السياسية مقابل ضمور الغاية الوطنية .

وقد أراد الرئيس من خلال هذه النماذج أن ينتقل بالوعي الوطني من رهان الأضواء اللحظية والتنميق إلى رهان الوعي بالمراحل التاريخية .

وهو انتقال من اللحظي إلى الخالد ومن الشخصي إلى المؤسسي  .

   

وفي الختام 

يمكننا من خلال القراءة الكلية لردود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن نكتشف  الخيط الناظم  في سياسة رجل  ينتقل بالدولة  من مرحلة الشخصنة والخطاب العاطفي المتحمس إلى مرحلة المؤسسية السلوكية والعقلانية الهادئة .

 فمن الواضح أن فلسفة الرئيس غزواني ترفض إعفاء المجتمع من مسؤوليته؛ فالدولة - من منظوره هذا - توفر الإطار التشريعي، والمظلة الحمائية، والبيئة  الشفافة، بينما يقع على عاتق "الوعي المجتمعي" تحويل هذه النصوص والمشاريع إلى سلوك ثقافي يومي يحمي الدولة ويضمن ديمومتها.

 

 

j