اي دولة أريد ؟/ محمد لحظانه

مما استوقفني في خطاب رئيس الجمهورية في مدينة اطار  أمران: السؤال الذي طرحه حول الدولة التي نريد تأسيسها، والبرامج الاستثمارية والتنموية التي أُعلن عنها.

قد يبدو الأمران منفصلين؛ فالأول يتصل بمستقبل الدولة وملامحها، والثاني بما سينعكس على حياة المواطن. لكن بينهما خيط ناظم: حين نسأل «أي دولة نريد؟»، فإن السؤال الذي يسبق كل الإجابات هو: من يملك حق الإجابة؟

الإجابة عند المواطن.

لا عند الأحزاب، موالاةً كانت أو معارضة، ولا عند الجماعات، ولا عند النخب والمفكرين، مهما اختلفت مواقعهم واجتهاداتهم.

يمكن لكل هؤلاء أن يشاركوا في النقاش وأن يقدموا تصوراتهم، لكنهم لا ينوبون عن المواطن في الإجابة عن سؤال يمس حياته ومستقبل أبنائه. فالدولة التي نريدها ليست تصورًا نظريًا تضعه نخبة، ولا برنامجًا حزبيًا يُطلب من الناس الاختيار بينه وبين غيره؛ إنها، قبل كل شيء، الصورة التي يريد المواطن أن تكون عليها حياته داخل دولته.

أي فرص يريد؟
أي خدمات ينتظر؟
أي عدالة يطلب؟
وأي مستقبل يريد أن يتركه لأبنائه؟

لهذا لا يمكن اختزال الإجابة في الاصطفافات السياسية أو التصورات الجاهزة. فالمواطن هو من سيعيش نتائج الخيارات ويتحمل آثارها، وهو لذلك أحق الناس بأن يكون صوته حاضرًا في تحديدها.

وإذا كان رئيس الجمهورية قد طرح السؤال بجدية، فإن جدية السؤال تقتضي أن يكون البحث عن جوابه جادًا أيضًا. وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: أن تتوفر للمواطن الشروط التي تمكنه من الإجابة بنفسه؛ أن يفكر ويختلف ويقترح، وأن يشعر بأن صوته مسموع وأن اختلافه لا يخرجه من المجال العام.

عندها فقط يمكن أن نعرف ماذا يريد المواطن فعلًا، لا ماذا نريد نحن أن يقول.

ومن هذه الزاوية، يتضح معنى الدولة على نحو أوسع. فهي ليست مؤسسات وقوانين وهياكل فحسب، بل هي أيضًا نوع الحياة التي تتيحها لمواطنيها: فرص تُفتح، وإمكانات تُستثمر، وموارد تتحول إلى إنتاج، وطموحات تجد طريقها إلى الواقع.

وهنا تكتسب البرامج الاستثمارية والتنموية معناها الأعمق. فالقضية ليست في عدد المشاريع أو حجم الاستثمارات وحدهما، بل في قدرتها على تحويل ما تملكه كل منطقة إلى فرص حقيقية لأبنائها.

لكل ولاية خصوصيتها وإمكاناتها: مؤهلات زراعية، أو ثروات معدنية، أو إمكانات في الرعي والثروة الحيوانية، أو التجارة والصناعة والسياحة. وهذه الخصوصيات ليست مجرد فروق بين الولايات، بل هي خريطة وطنية للفرص.

ومن ثم، قد لا تكون العدالة التنموية في أن تتشابه المشاريع في كل مكان، بل في أن تحصل كل منطقة على ما يحول خصوصيتها إلى ميزة، ومواردها إلى قيمة، وإمكاناتها إلى فرصة، والفرصة إلى أثر يلمسه المواطن في حياته.

هنا يلتقي سؤال الدولة بسؤال التنمية، ويلتقي الاثنان بالمواطن.

فالسؤال في النهاية ليس: ماذا نريد نحن للدولة؟

بل: أي دولة يريد المواطن أن يعيش فيها؟

والإجابة، مهما تعددت الاجتهادات من حولها، تظل عنده.

وإذا كنا نريد إجابة حقيقية، فعلينا أولًا أن نهيئ لها المجال.

فبعد أن طُرح السؤال، تبقى الخطوة الأهم: أن يُترك للمواطن أن يجيب.

أي دولة أريد؟

 

j