جولتي آدرار وإينشيري: إدراكٌ للأولويات وتركيزٌ على الاهتمامات/ أحمد محمد الدوه

لقاءات مباشرة مع السكان، وتفصيل دقيق للأوضاع التنموية والاقتصادية والاجتماعية، في سياق يعكس مدى الاهتمام بالتواصل الميداني في عُهدة الطموح؛ صياغة للأولويات ومتابعة لتنفيذ التعهدات؛ برامجَ ومشاريع.

يمكن أن يكون هذا هو  العنوان الأبرز لزيارتي صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لولايتي آدرار وإينشيري .

وقد جاءت الزيارة في جوهرها قائمة على التواصل المباشر مع المواطنين، والاستماع إلى مشاغلهم، والاطلاع على أوضاعهم عن قرب، ومتابعة مسار البرامج والمشاريع التنموية؛ وهو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية منذ محطته الأولى في آدرار، حين حدد للاستماع إلى السكان وتحديد الأولويات موقعاً مركزياً في أهداف الجولة.

من هذه الزاوية، أرى أن (إدراك الأولويات والتركيز على الاهتمامات) يصلح عنواناً بارزاً لهذه الجولة؛ فقد اتخذ الخطاب الرئاسي في كل محطة من خصوصية المكان مدخلاً لتحديد القضايا ذات الصلة المباشرة بحياة السكان وبمستقبل مناطقهم.

ففي آدرار، حضرت قضايا فك العزلة، والمياه، والكهرباء، والطرق، والتعليم، والصحة، والسياحة، والزراعة الواحاتية ضمن صدارة الاهتمامات؛ وترافقت هذه الرؤية مع إجراءات ومشاريع محددة، من بينها ربط مدينة أطار بالشبكة الكهربائية الوطنية، وإعادة بناء جزء من طريق أطار–أكجوجت، وتعزيز تعبئة الموارد المائية، فضلاً عن التوجه نحو تطوير النشاط السياحي والاقتصاد الواحاتي.

وتتبعا للخصوصية المكانية اتسعت الرؤية في وادان وشنقيط وأوجفت من معالجة الحاجات الخدمية وفك العزلة إلى التفكير في بناء اقتصاد محلي قادر على إنتاج فرص العمل وتثبيت السكان وتحريك الدورة الاقتصادية.

ليبرز الاستثمار في السياحة، والتعليم والتكوين، والعمل والإنتاج، إلى جانب التوجه نحو إنشاء وكالة وطنية لتطوير شعبة الواحات، وإعادة هيكلة شركة تمور موريتانيا، وربط مناطق الإنتاج بشبكة الطرق المعبدة.

أما في إينشيري، فقد فرضت طبيعتها الاقتصادية والاجتماعية أجندة مختلفة، تمحورت حول التعدين، والمياه، والشباب، والتكوين، والعمل، وحماية البيئة؛ ففي محطة أكجوجت، اتخذ الحديث عن التعدين بعداً يتجاوز استخراج الثروة إلى تنظيم القطاع، وتعزيز مردوديته الاقتصادية والاجتماعية، وضمان احترام الأطر القانونية، وحماية البيئة، وتكافؤ الفرص في منح الرخص، مع فتح آفاق أمام استغلال مناجم جديدة وتوفير فرص عمل إضافية.

وفي قلب هذا التصور، احتل الشباب موقعاً متقدماً في الخطاب الرئاسي؛ باعتبارهم طاقة بشرية قادرة على تحويل الإمكانات الوطنية من موارد كامنة إلى ثروة منتجة، عبر التعلم والتكوين والعمل. وهي فكرة حضرت بقوة في خطاب أكجوجت، حيث ربط رئيس الجمهورية بين العمل وإنتاج الثروة وبناء التنمية وتحقيق التقدم والازدهار.

واللافت في خطاب الجولة كذلك وضوح الصلة بين التنمية والإنصاف، وبين الخدمات والعدالة المجالية، وبين الموارد والاستثمار المنتج، وبين ثروة البلاد ومسؤولية الإنسان في تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية محسوسة.

وهذه في تقديري إحدى أهم دلالات الجولة: أن التنمية حين تنتقل من مستوى المؤشرات الوطنية العامة إلى مستوى الولاية والمقاطعة والمدينة والقرية، تصبح الأولويات أكثر تحديداً، والحاجات أكثر وضوحاً، والمسؤولية العمومية أكثر التصاقاً بحياة المواطن.

لقد حملت الجولة، من آدرار إلى إينشيري، تصوراً متعدد المستويات: استكمال البنية الأساسية وفك العزلة، تحسين الخدمات، تحريك الاقتصاد المحلي، تثمين الموارد، حماية البيئة، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في صناعة الثروة والمستقبل.

ولئن كانت ظروف عملية حالت دون مواكبتي المعتادة  لهذه الجولة ميدانياً، مواكبة كنت أحرص عليها لما تمثله مثلها من قيمة في متابعة الشأن العام والوقوف على التفاصيل التي تصنع الفارق بين الخطاب والممارسة؛ فإنني رغم الانشغال والتواجد خارج البلاد كنت حريصا على متابعة مضامينها ومحطاتها، للوقوف على ما حملته من أفكار وتوجيهات ومشاريع، فوجدت فيها مادة جديرة بالتأمل والمتابعة.

فمن آدرار، بعمقها التاريخي والواحاتي والسياحي، إلى إينشيري، بثقلها المعدني والاقتصادي، تشكلت أمامنا صورة جلية لجولة حاولت أن تقرأ خصوصية كل ولاية من داخل حاجاتها ومقدراتها، وأن تجعل من الميدان مجالاً لاختيار الأولويات وترتيب الاهتمامات.

أحمد محمد الدوه
إعلامي مهتم بالشأن السياسي

 

j