الحكومة بين تصحيح الاختلالات وتجديد الثقة/ الشيخ المامي

تأتي استقالة الحكومة الموريتانية برئاسة الوزير الأول المختار ولد أجاي في أكتوبر 2026 وتكليفه مجدداً بتشكيل حكومة جديدة، في أعقاب أزمة محطتي التحويل الكهربائي بالعاصمة نواكشوط وما كشفه تقرير لجنة التحقيق المستقلة من اختلالات فنية وإدارية، لتشكل محطة مفصلية لتقييم أداء الطاقم الحكومي المنصرف.

وفي هذه القراءة التحليلية سأحاول تقييم أداء أبرز القطاعات والوزارات في الحكومة المنصرفة، مع تحديد اتجاهات التقييم (التجديد، الترقية، أو الانصراف) بناءً على المعطيات الميدانية والتقارير الرقابية:

1. الوزارة الأولى 

عُرف المسؤول الأول في القطاع المختار ولد أجاي بأسلوب إداري صارم ومحاولة فرض الانضباط والشفافية ومتابعة المشاريع ميدانياً، ورغم الجهود المبذولة في ضبط الإحصائيات الاقتصادية ومؤشرات التراجع النسبي للفقر النقدي، إلا أن الأزمات الخدمية الكبرى (مثل أزمة انقطاعات الكهرباء المتكررة والخلل التقني الأخير وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية ) وضعت الحكومة تحت ضغط شعبي وسياسي هائل.

وأعتقد أن تجديد بالثقة الرئاسية، يعبر عن ثقة في شخص الوزير، وإتاحة فرصة لغربلة الفريق المساعد والتخلص من عناصر الإخفاق الميداني.

2. قطاعات الواجهة الحكومة الحقيقية وأكثرها احتكاكاً بالمواطن.

مثل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والمعادن والكهرباء وتمكين الشباب، والوظيفة العمومية، والتكوين المهني:

التقييم: عانت من هزات قوية، أبرزها حادثتا انقطاع الكهرباء في نواكشوط؛ وما رافقهما من قصور في منظومة الوقاية والحماية، هذا الملف بالذات كان المسبب المباشر للرجّة السياسية الحالية، كما عانت بقية القطاعات من قصور ولد نقمة لدى الكثيرين.

كما أن ملف المدرسة الجمهورية وتوحيد المناهج يسير بخطى ثقيلة تتطلب متابعة حثيثة، وسط تذمر مستمر من البنى التحتية وظروف المعلمين.

وأعتقد أن انصراف ومساءلة المسؤولين عن القطاعات ومحاسبة المسؤولين المباشرين عن الاختلالات يعد مطلبا شعبيا.

وزارات الاقتصاد والمالية والزراعة والثروة الحيوانية والإسكان:

التقييم: شهدت نشاطاً ملحوظاً في إعداد الاستراتيجيات الاقتصادية، وإدارة مؤشرات التضخم والملف المالي، والتعاون مع الشركاء الدوليين، والاصلاح العقاري.

وأعتقد أن التجديد أو الترقية هما مايستحق الوزراء نظراً للحاجة الملحة لاستمرارية الضبط المالي والنقدي وعدم إرباك المؤسسات المالية الكبرى، وتطوير ميادين الثروة الحيوانية، والاصلاح العقاري حتى يستجيبا لتطلعات المستثمرين والمواطنين.

3. القطاعات الاجتماعية مثل الشؤون الاجتماعية ومندوبية تآزر..

التقييم: يشهدان تحديات مزمنة تتعلق بجودة الخدمات والإخفاق في تحقيق الأهداف وتعتني تآزر من تصخم في الكوادر والموظفين، رغم أهميتها في برنامج الرئيس غزواني.  

وأظن أن تغيير الدماء والغربلة يعدان قرار صائبا، حيث تحتاج القطاعات إلى نفض غبار البيروقراطية وحوكمة صارمة.

وفي حال التجديد فيجب أن يتم بشروط الأداء الصارم لمن ثبت جديته، مع إبعاد العناصر التي أخفقت في مواكبة الإصلاحات الكبرى.

4. قطاعات السيادة: العدل والخارجية والدفاع والداخلية

التقييم: لعبت هذه القطاعات دوراً محورياً في إدارة التوازنات السياسية والملفات الأمنية والحقوقية،  والتعاطي مع أزمة الهجرة، والأزمات الاحتجاجية والجهوية بحنكة، فضلاً عن الحضور الديبلوماسي للبلاد في المنظمات الدولية، وإدارة العلاقات الخارجية بحنكة، فيما اقتصر الإصلاح في ملف العدل حسب متابعتي على ورش إصلاح القضاء.

فيما ظل قطاع الدفاع يسير بنفس الوتيرة الرتيبة وهو أمر مطلوب، وشهد تطويرا مطردا خلال السنوات الماضية على نفس الطريق، بعيدا عن الإعلام والتجاذبات.

والقرار المناسب هو التجديد للحفاظ على الاستقرار الأمني والمؤسسي والديبلوماسي، مع ضخ دماء جديدة في الإدارات الفرعية في العدل لتعزيز استقلالية القضاء وسرعة البت في ملفات الفساد.

وفي الخلاصة العامة لاتجاهات التشكيلة الجديدة وفق تقديري، أظهر قرار إعادة تكليف المختار ولد أجاي أن التوجه العام لرأس الدولة محمد ولد الشيخ الغزواني، يميل إلى إصلاح الطمأنة والتصحيح التقني، لا الانقلاب الشامل على السياسات؛ وهو ما يعني:

- انصراف وزراء الأزمات والتقصير الميداني خصوصاً من تورطوا أو قصروا في ملفات الخدمات والبنى التحتية كالكهرباء والمياه، أو الذين شاب عملهم قصور صادم.

- إبقاء أو ترقية الكفاءات التي أثبتت جدارة في تسيير ملفاتها بعيداً عن صخب المحاصصات السياسية والترضيات.

- تغليب معيار الحكامة والمساءلة بعد تقارير لجان التحقيق، لتكون الحكومة المرتقبة حكومة مهام سريعة وعملية تستجيب لتطلعات الشارع "طموحي للوطن".

 

 

j