الآن وقد تشكلت الحكومة، كل التضامن مع المغادرين، وأرجو، خصوصًا للشباب منهم، أن تكون تجربتهم الوزارية رصيدًا في مسارهم المهني. وكامل التهاني للوزراء والوزيرات الجدد، ولمن جُددت فيهم الثقة، مع تمنياتي للجميع بالنجاح؛ فنجاحهم يعني، كما أقول دائمًا، تقدمًا لموريتانيا.
من منظور وطني، هم وهن أبناء وبنات هذا البلد، وميزان المفاضلة بينهم هو الإخلاص للمصلحة العامة ونتائج العمل. أما من منظور شخصي، فلي بينهم، شأن كثير من الموريتانيين، أقارب وأصدقاء ومعارف. ومن الصعب أن يجد الجميع أنفسهم في كل تشكيلة حكومية، لكن الوطن أوسع من دوائرنا الخاصة.
غادر أصدقاء جمعتني بهم تجربة العمل، منهم وزير الشؤون الاقتصادية عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، الذي زاملته في حكومة بعهد مضى، ووزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي تشرفت بالعمل معه على ملفات استراتيجية أيام توليه إدارة ديوان رئيس الجمهورية. ولعلاقتي به حكاية طويلة، قد تجد مكانها في المذكرات إن شاء الله.
وبقي صديق قديم، هو وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، الذي تجاوزت مدة توليه القطاع أربع سنوات ونصف. وأرجو له التوفيق في استكمال الإصلاحات التي وعد بها؛ فالدبلوماسية تحتاج إلى الاستمرارية لإنضاج الإصلاح ومتابعة الملفات وبناء العلاقات. وقد ترك الإفراط في تغيير وزراء خارجيتنا صورة سلبية لدى بعض نظرائهم، حتى صعب عليهم ربط الأسماء بالوجوه من كثرة التعاقب على المنصب.
وضمن الوافدين، أسجل دخول أحد قدماء الأصدقاء في ميناء الصداقة؛ وبذلك يزداد رصيد الميناء في حكومات موريتانيا!
ولي أقارب بقوا، أتمنى لهم التوفيق، وآخرون غادروا، عوّضهم الله خيرًا. وهذا شعور طبيعي تجاه من نحب، ولا نريد منهم جزاءً ولا شكورًا. لكن المودة الشخصية تبقى في مكانها، والمعيار الوطني يظل الأهم.
ومن أبرز ما يستوقفني مغادرة شخصيات تولت وزارات سيادية منذ المأمورية الأولى للرئيس، بعدما تراجع ترتيب بعضها في تشكيلة 2024؛ وهو ما بدا يومها لافتًا بروتوكوليًا، وثقيلًا في ثقافتنا الشعبية. ومن تلك الوجوه استمر وزير الخارجية، كما استمرت السيدة الناها بنت مكناس، المعروفة بمشاركتها السياسية باسم حزبها.
ومع ذلك، لا أعتقد أن من يسميهم البعض «الحرس القديم» خرجوا من معادلة الحاضر والمستقبل. فمن الصعب تجاهل وزن شخصيات مثل حننه ولد سيدي، ومحمد محمود ولد بيه، زميلي أيضًا في حكومة سابقة وصاحب المكانة الروحية والاجتماعية، ومحمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي يُعد من أركان النظام اضافة الى الوزير الاول و امين عام رئاسة الجمهورية الاسبق مولاي ولد محمد الاغظف . فمغادرة المنصب لا تمحو الخبرة والعلاقات والنفوذ؛ وكما يقال عندنا: «لكهوله زاكيين»، والبركة في الأكابر.
أما انتقال حقيبة الدفاع إلى شخصية مدنية، فهو تطور يستحق التأمل في دلالاته، دون التسرع في الجزم بمقاصده.
ومن اللافت أيضًا احتفاظ جميع الوزيرات بعضويتهن في الحكومة، وإن تغيرت حقائب بعضهن، وبلوغ عدد النساء تسعًا باحتساب الوزيرة الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية. ويمكن قراءة ذلك إشارة إلى استمرار الثقة في الحضور النسائي داخل السلطة التنفيذية، على أن يظل معيار تقييم النساء والرجال واحدًا: الكفاءة والإخلاص والنتائج.
ويبقى السؤال عن مدى ترجمة معايير تشكيل الحكومة إلى خيارات فعلية. فقد حضرت في الخطاب المعلن مواجهة الظرف الدولي، والكفاءة السياسية والتقنية، وتمكين الشباب، والتنمية المحلية. ويمكن قراءة استمرار وزير الخارجية ودخول وجوه ذات خبرة تقنية وشبابية في ضوء هذه الأولويات، لكن مدى تحققها سيتضح في الممارسة.
وأثمّن تخصيص وزير منتدب للامركزية والتنمية المحلية، غير أنني أتطلع إلى قطيعة أعمق مع نمط التسيير المركزي الموروث، في جانب منه، من التقاليد اليعقوبية الفرنسية. فتقريب التنمية من المواطنين يقتضي نقل صلاحيات وموارد فعلية إلى الجهات والبلديات، وإشراكها في تحديد أولوياتها.
ومن هذا المنظور، أقترح إنشاء مرصد وطني للتنمية المحلية، يقوم على تمثيل الجهات ومشاركة البلديات، ويتولى جمع المعطيات ورصد الفوارق ومتابعة تنفيذ الخطط وتقييم نتائجها. وتُرسم هذه الخطط بمشاركة الهيئات المحلية، وفق أهداف واقعية ومؤشرات دقيقة وآجال محددة، مع نشر حصيلة دورية تتيح للمواطن معرفة ما أُنجز وما تعثر ولماذا. ويجب أن يدعم المرصد اللامركزية، دون أن يتحول إلى جهاز مركزي إضافي يحلّ محل المجالس المنتخبة.
وأخيرًا، أرجو أن تستخلص الحكومة الجديدة الدروس من الإخفاقات والأزمات المتوالية، وأن تدرك أن الرأي العام أصبح أكثر وعيًا ومطالبة بالنتائج. فقد وُلدت هذه الحكومة في أعقاب أزمة الكهرباء، وسيظل تقرير التحقيق وما يقتضيه من تصحيح ومساءلة حاضرًا في تقييم عملها.
المطلوب نتائج ملموسة في آجال قريبة، يشعر المواطن بنفعها. وللحكومة الجديدة تمنياتي الصادقة بالنجاح؛ أما الحكم، فيبقى للأفعال.
عبد القادر ولد محمد








