إسلمو الطالب أحمادو يكتب: من حريق صوملك إلى ترسيخ المساءلة.. حين تصبح المسؤولية التزاما لا امتيازا

لم تكن الحرائق التي اندلعت في مولدات كهربائية تابعة للشركة الموريتانية للكهرباء "صوملك"، وما أعقبها من أزمة كهرباء غير مسبوقة في العاصمة نواكشوط خلال السنوات الأخيرة، مجرد حادث فني عابر فرضته ظروف طارئة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لجدية التعاطي مع الاختلالات داخل المرافق العمومية، ومدى الاستعداد لترسيخ مبدأ طال انتظاره في الحياة الإدارية والسياسية الموريتانية : المسؤولية تقابلها المحاسبة، والمنصب العام تكليف تحكمه قواعد الأداء والنزاهة، لا امتياز يحصن صاحبه من المساءلة.
وفي خضم هذه الأزمة، برزت ملامح مقاربة يقودها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تقوم على الانتقال من الاكتفاء بمعالجة تداعيات الأزمات إلى البحث في أسبابها، ومن احتواء آثارها المباشرة إلى تحديد المسؤوليات المترتبة عليها، في خطوة تحمل دلالات مهمة بشأن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسؤول العمومي بالواجبات الملقاة على عاتقه.
فمنذ الأيام الأولى للأزمة، حرص رئيس الجمهورية على الوقوف ميدانيا على حجم الأضرار التي لحقت بمحطتي الكهرباء، والاطلاع على تداعيات الحريق وانعكاساته على حياة المواطنين ومصالحهم. كما برزت أولوية استعادة الخدمة الكهربائية في أسرع وقت ممكن، بالنظر إلى حجم الأضرار وما خلفته الأزمة من اضطراب في الحياة اليومية بالعاصمة.
غير أن أهمية هذا التحرك لم تتوقف عند حدود متابعة أعمال الإصلاح واستعادة الخدمة، بل امتدت إلى الخطوة الأكثر دلالة، فتح تحقيق مستقل لتحديد أسباب الحريق، والكشف عن أوجه القصور المحتملة، وتحديد المسؤوليات بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالتفسيرات العامة.
فقد استقبل رئيس الجمهورية الوزير الأول ومستشاره المكلف بالطاقة، وأمر بتشكيل لجنة تحقيق أوكلت إليها مهمة تقصي الحقائق بشأن الحادثة وملابساتها.
وفي هذا السياق أكد رئيس اللجنة، الوزير السابق عثمان كان، أن اللجنة مُنحت الصلاحيات اللازمة للقيام بعملها في أفضل الظروف، دون ضغوط، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في القضايا التي تتصل بمرافق استراتيجية وبمسؤوليات إدارية وسياسية رفيعة المستوى.
إن تمكين لجنة التحقيق من أداء مهمتها باستقلالية، وإتاحة المجال أمامها للوصول إلى نتائجها، يمثلان عنصرين أساسيين في بناء الثقة في مسارات المساءلة. 
ولعل أبرز ما ميز التعامل مع هذه القضية هو توجيه رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بنشر تقرير لجنة التحقيق وإتاحته للرأي العام، بما يسمح للمواطنين بالاطلاع على خلاصاته، وفهم ما انتهت إليه اللجنة بشأن أسباب الحادثة والمسؤوليات المرتبطة بها.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل القضية من نطاق المعالجة الداخلية المغلقة إلى فضاء المساءلة العامة، حيث يصبح المواطن طرفا في متابعة الشأن العام، لا مجرد متلقٍ لقرارات تصدر باسمه.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قرار نشر التقرير بوصفه رسالة سياسية وإدارية مفادها أن الأزمات التي تمس مصالح المواطنين لا ينبغي أن تنتهي بمجرد استعادة الخدمات، أو أن تُطوى ملفاتها دون كشف ملابساتها وتحديد المسؤوليات بشأنها.
كما أن إتاحة التقرير للرأي العام تفتح المجال أمام نقاش عام يستند إلى الوقائع والنتائج المعلنة، بدلا من ترك المجال للتكهنات وتضارب الروايات.
وهي ممارسة تستحق التثمين بقدر ما تكرس حق المجتمع في معرفة ما يجري داخل المرافق العمومية، وتدعم بناء علاقة أكثر وضوحا بين الدولة والمواطن.
ولم تتوقف تداعيات التقرير عند نشر نتائجه، بل امتدت إلى المستوى السياسي، حين قدم الوزير الأول المختار ولد اجاي وحكومته استقالتهم، قبل أن يعيد رئيس الجمهورية تكليفه بتشكيل حكومة جديدة.
كما شملت الإجراءات اللاحقة إبعاد وزير الطاقة والنفط، في سياق أعقب تحميل التقرير مسؤوليات تتعلق بالقطاع الذي يشرف عليه.
وتحمل هذه التطورات دلالة سياسية وإدارية تستحق التوقف عندها؛ إذ تؤكد أن الاختلالات التي تمس القطاعات الحيوية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مسائل فنية معزولة تماما عن مسؤولية الإشراف والمتابعة.
فالمسؤولية في العمل الحكومي لا تقتصر على إصدار التعليمات أو الإشراف الشكلي على المؤسسات، بل تشمل متابعة أدائها، والتأكد من احترام معايير السلامة، ورصد مواطن الخلل، واتخاذ التدابير اللازمة قبل أن تتحول الاختلالات إلى أزمات واسعة التأثير.
ومن ثم، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يعني أن المسؤول لا يُسأل فقط عما باشره بنفسه، وإنما أيضا عن مدى قيامه بواجبات الإشراف والمتابعة التي يفرضها عليه منصبه، وفقا لما تثبته التحقيقات والقواعد القانونية والإدارية المعمول بها.
واكتملت حلقات التعامل مع الملف بإجراءات خصوصية اتخذها مجلس الوزراء، شملت إقالة مسؤولين في قطاعات معنية، في أعقاب ما أورده تقرير التحقيق بشأن أوجه القصور والمسؤوليات المرتبطة بالحادثة.
وتكتسب هذه الإجراءات أهميتها من كونها تمثل انتقالا من مرحلة تشخيص الاختلالات إلى مرحلة اتخاذ القرارات بشأنها. فالتقارير، مهما بلغت دقتها، تفقد جانبا كبيرا من قيمتها إذا بقيت حبيسة الأرشيف، ولم تترتب عليها خطوات عملية لمعالجة مواطن الخلل ومحاسبة المسؤولين وفقا لما يثبت في حقهم.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في سياق الحاجة إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خصوصا حين يتعلق الأمر بالخدمات الأساسية التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية، مثل الكهرباء والماء والصحة والتعليم.
فالمواطن لا ينتظر من الدولة أن تكون بمنأى عن الأخطاء أو الأزمات، بقدر ما ينتظر منها أن تمتلك القدرة على التعامل معها بجدية، وأن تقدم له المعلومات اللازمة، وأن تحدد أسباب الإخفاق، وأن تتخذ الإجراءات التي تحول دون تكراره.
وفي هذا الإطار، فإن نشر تقرير التحقيق، وما أعقبه من إجراءات سياسية وإدارية، يقدمان نموذجا يمكن البناء عليه لتطوير منظومة المساءلة في موريتانيا.
وإن أبرز ما يمكن استخلاصه من مسار التعامل مع أزمة صوملك هو أن قيمة القرار السياسي لا تُقاس فقط بسرعة صدوره، وإنما كذلك بقدرته على معالجة جذور المشكلة، وتحديد المسؤوليات، وإطلاق مسار تصحيحي يحول دون تكرارها.
وقد أتاح تعامل رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مع هذه القضية إبراز جملة من المبادئ التي تحتاج إليها الإدارة الموريتانية، الاستناد إلى التحقيق بدل الاكتفاء بالتقديرات، وإتاحة المجال أمام لجنة التحقيق لأداء مهمتها، ونشر النتائج للرأي العام، ثم اتخاذ إجراءات سياسية وإدارية في ضوء ما كشفه التقرير.
ومن حق هذه الخطوات أن تحظى بالتقدير بوصفها مؤشرات على أهمية الشفافية والمساءلة في إدارة المرافق العمومية، وعلى ضرورة أن تكون المسؤولية الحكومية والإدارية مقرونة بواجب المتابعة والمحاسبة.
وتكمن أهمية الخطوات التي اتخذها رئيس الجمهورية في أنها ربطت بين التحقيق في أسباب الحادثة، وإتاحة نتائجه للرأي العام، واتخاذ إجراءات سياسية وإدارية في أعقابه. وهي حلقات مترابطة تشكل أساسا لأي مسار جاد نحو تعزيز الشفافية وترسيخ المحاسبة.

 

j