في هذا الفضاء الافتراضي الذي تتقاطع فيه الآراء وتتشابك فيه القراءات، طالعتُ – كغيري – ما أثير من نقاش حول واقعة توقيف النائب مريم بنت الشيخ، وما صاحب ذلك من مواقف ذهبت سريعًا إلى توصيف الحادثة باعتبارها مساسًا بالنصوص القانونية المرتبطة بالحصانة البرلمانية.
غير أن التناول الهادئ لمثل هذه القضايا يقتضي استحضار البناء القانوني للحصانة في كليّته، لا في بعض أجزائه. فالحصانة البرلمانية، في جوهرها، تقوم على نوعين أساسيين: حصانة موضوعية (أو وظيفية) تكفل للنائب حرية الرأي والتصويت في إطار مهامه، وهي حصانة دائمة لا يُسأل بسببها عما يصدر عنه داخل هذا الإطار؛ وحصانة إجرائية (أو شكلية) تحميه من التوقيف أو المتابعة خلال فترة نيابته، إلا وفق ضوابط محددة، بما يضمن عدم التأثير على أدائه لمهامه التشريعية.
غير أن هذه الحماية الإجرائية نفسها ليست مطلقة، بل يرد عليها استثناء جوهري يتمثل في حالة التلبس بالجريمة، حيث يجيز القانون – صونًا للنظام العام وحسن سير العدالة – للجهات المختصة، بما فيها الشرطة، التدخل الفوري واتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك التوقيف، دون انتظار رفع الحصانة بشكل مسبق. فالتلبس، في معناه القانوني، لا يُفهم بوصفه توصيفًا عابرًا، بل حالة محددة يكون فيها الفعل الجرمي واقعًا أو على وشك الوقوع، أو تُدرك آثاره المباشرة بما لا يحتمل التأخير، وهو ما يبرر التدخل الآني.
على أن هذا الإجراء لا يُغني عن المسار المؤسساتي اللاحق، حيث يظل إشعار البرلمان – باعتباره الجهة المعنية برفع الحصانة أو متابعة الإجراءات – جزءًا من استكمال المسطرة القانونية واحترام توازن السلطات.
وفي هذا السياق، يبرز بوضوح أن من خصوصية النهج المؤسسي الرصين أنه لا ينظر إلى الحصانة باعتبارها مجالًا للمواجهة، بل إطارًا للحماية المتوازنة، تُحترم فيه النصوص القانونية بروحها قبل حرفها، ويُترفّع فيه – في الممارسة – عن اللجوء إلى المتابعة ما لم يقع تجاوز بيّن لحدودها. فالأصل هو صون حرية التعبير في إطارها المشروع، والاستثناء هو تفعيل المساطر حين يخرج الفعل عن ذلك الإطار، أو حين تتوافر حالة التلبس بما تقتضيه من تدخل فوري.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن من يحرص على صيانة هذا التوازن كان الأولى به أن يوجّه نظره إلى طبيعة الفعل ذاته قبل أن ينصرف إلى توصيف الإجراء. فاستنكار السلوك، إن ثبت تجاوزه لحدود القانون، ينسجم أكثر مع روح النصوص من استنكار التوقيف في ذاته بناءً على قراءة مجتزأة لها. إذ لا يستقيم الدفاع عن الحصانة حين تتحول – في الفهم أو في الخطاب – إلى ما يشبه الحاجز دون المساءلة، بدل أن تظل إطارًا منظمًا لها.
ولعل ما يميز المرحلة الراهنة، في عمقها المؤسسي، هو هذا الحرص المتنامي على ترسيخ احترام النصوص القانونية وصيانة المؤسسات الدستورية، في مناخ يتجه – بهدوء – نحو تغليب منطق الدولة على منطق التأويلات الضيقة. وهو مسار يجد صداه في القيادة العليا للبلد، حيث يبرز توجه واضح نحو إعلاء شأن القانون، وتكريس استقلالية المؤسسات، وعدم الزج بها في تجاذبات عابرة، بما يعزز الثقة في أن الممارسة تسير في اتجاه ترسيخ دولة القانون لا الالتفاف عليها.
ومن هنا، فإن اختزال النقاش في ثنائية “حصانة منتهكة” أو “إجراء متعسف” دون استحضار هذه التوازنات الدقيقة، قد يقود إلى قراءة مبتورة للنصوص، تُذكّرنا بذلك الفهم الذي يقف عند “ويلٌ للمصلين” دون أن يستكمل المعنى في تمامه. فالنصوص لا تُقرأ في عزلة، بل في سياقها الذي يوازن بين حماية الوظيفة التشريعية وضمان سيادة القانون.
إن دولة المؤسسات، وهي تمضي في مسارها الإصلاحي، لا تستقيم إلا بهذا الفهم المتكامل، الذي يُدرك أن الحصانة وُجدت لصون الدور، لا لتعطيل القانون، وأن البرلمان، بوصفه الجهة المعنية، يظل شريكًا في صون هذا التوازن، لا في تعطيله.
وعليه، فإن ترسيخ دولة القانون لا يقوم فقط على وجود النصوص، بل على وعيٍ جماعي يُحسن قراءتها وتنزيلها، حيث تتكامل الحماية مع المسؤولية، ويظل القانون إطارًا جامعًا لا ساحةً للانتقاء أو التأويل المجتزأ.








