بينما كان المحامي في مكتبه صباح يوم جميل (الاثنين 3/5/2026) يضع اللمسات الأخيرة على مرافعة سيتقدم بها أمام المحكمة خلال ساعات؛ دفاعا عن نائبتين برلمانيتين متهمتين ومسجونتين رغم حصانتهما البرلمانية المنصوصة في المادة 50 من الدستور، اقتحم مكتبه رجال في زي مدني قدموا أنفسهم أنهم شرطة، دون أن يدلوا بما يثبت زعمهم؛ إذ لا استدعاء من جهة رسمية موجه إلى المعني، ولا بطاقات هوية تعرف بهم. وقاموا على الفور بتفتيش المكتب والقبض على المحامي، ونقلوه إلى مخفر المكتب الوطني لمكافحة الجريمة السيبرانية، فرموه في زنزانة ظل فيها حتى السادسة مساء؛ ثم نقلوه إلى مقر فرقة مكافحة الإرهاب خارج المدينة حيث قضى أربع ليال في حالة أقرب إلى الاختطاف والحبس التحكمي تخللتها محاولات حثيثة لمقايضة حريته بتقديم اعتذار علني عن حديث أدلى به.
وفي ليلة الأربعاء استجوبوه في غياب نقيب المحامين ودفاعه، ثم قرروا - في اليوم نفسه- تمديد حراسته النظرية، وسمحوا لمحاميه بزيارته في ظروف مهينة. وفي يوم الجمعة اقتادوه إلى النيابة في نهاية الدوام، فاستجوبته واتهمته وأحالته إلى قاضي التحقيق؛ طالبة إيداعه السجن.
ومثل أمام قاضي التحقيق فنفى جميع التهم الموجهة إليه، فعج مكتب قاضي التحقيق بالمحامين (تجاوزت لائحة المؤازرين مائة 100 محام) تقدموا أمام قاضي التحقيق بما يلي:
1. يقول دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية في مادته 10: "تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية المحددة في تلك المادة. ومن بينها حرية الرأي وحرية التفكير؛ وحرية التعبير". و"لا تقيد الحرية إلا بقانون". ولا وجود لقانون يقيد حرية زميلنا وهو يدافع؛ بل على العكس من ذلك، يحميه القانون.
2. ويقول الدستور نفسه أيضا في مادته 4: "القانون هو التعبير الأعلى عن إرادة الشعب ويجب أن يخضع له الجميع".
3. وتقول المادة 44 من قانون المحاماة: "يعد المحامي ضمن أمناء السلطة المشار إليهم في المادة 204 من القانون الجنائي. ويعاقب الاعتداء عليه أثناء ممارسته مهنته أو بمناسبتها أو بسببها بعقوبة الاعتداء على القضاة المنصوص عليها في المادتين 204، 205 من القانون الجنائي. لا يمكن أن يترتب على ما يباشره المحامي من إجراءات لصالح موكله أو ما يبديه من آراء أثناء ممارسته مهنته أو بمناسبتها أي دعوى ضده".
4. وتقول المادة 45 من القانون نفسه: "تشعر النيابة كتابيا النقيب، بأي متابعة جزائية يكون محام محلا لها، وذلك فور اعتقاله أو اتخاذ قرار بمتابعته، ويحضر النقيب أو من ينيبه لهذا الغرض كافة مراحل التحقيق معه. ولا يجوز تفتيش مكتب المحامي إلا بعد إشعار النقيب بقرار التفتيش، ولا يجوز البدء فيه إلا بحضور وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق المتعهد والنقيب والمحامي المعني ما لم يكن هذا الأخير في حالة غياب متعمد. تكون الإجراءات المخالفة لأحكام هذه المادة باطلة بطلانا مطلقا". وقد تم خرق جميع هذه الترتيبات في حق زميلنا!
5. وتقول المادة 32 من قانون المحاماة: "للمحامي مؤازرة الأشخاص أمام الضبطية القضائية، وله الحق في الاتصال بالشخص الموقوف فور توقيفه... وذلك في ظروف من شأنها تمكينه من تأدية واجب الدفاع عنه". وقد خرقت هذه الترتيبات في حقنا وفي حق زميلنا!
6. وتنص المادة 138 من قانون الإجراءات الجنائية على أن الحبس الاحتياطي استثناء قيده المشرع بشروط غير متوفرة في هذه النازلة. وذلك لانعدام المسؤولية، وبطلان كافة الإجراءات بقوة القانون.
7. وتنص المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة من الأمم المتحدة سنة 1990 على أن تكفل الدول للمحامين القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية "دون ترهيب أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، وأن لا يتعرضوا أو يهددوا بالملاحقة أو العقوبات بسبب الأعمال التي يقومون بها وفقا لواجباتهم المهنية، كما تؤكد حقهم في الاتصال بموكليهم، وفي ممارسة الدفاع بكل حرية واستقلال.
ثم طلبوا من فضيلة القاضي - بناء على هذا الأساس القانوني المتين- رفض طلب النيابة إيداع زميلهم لمخالفته لجميع القوانين المذكورة، وأعلنوا استعدادهم لتقديم جميع الضمانات بما فيها الكفالة المالية تفاديا لحبسه.
وبعد استماع قاضي التحقيق إلى أقوالهم، طلب خروجهم وخروج المتهم، حتى يتمكن من تدبر الأمر واتخاذ قرار.
وفي نصف ساعة واجههم باتخاذ قرار بإصدار بطاقة إيداع في حق المتهم امتثالا لطلب النيابة!
وبعد الواقعة بثلاثة أيام أعطت النيابة موافقتها على طلب حرية موقتة للزميل المتهم تقدم به نقيب المحامين في إطار تسوية خاصة جرت بينه وبين السلطات؛ فأمر قاضي التحقيق بإطلاق السراح فورا!
وهكذا وقف الدستور، والقانون، واتفاقيات حماية الدفاع، وأكثر من مائة محام، عاجزين جميعا أمام طلب صادر عن النيابة.
لم يكن الأمر إذن امتحانا لقوة النصوص؛ بل امتحانا لموقع السلطة الحقيقية التي تصنع القرار.
فحين أرادت السلطة التنفيذية الحبس، تم الحبس رغم كل الدفوع القانونية ورغم وضوح البطلان. وحين أرادت - في إطار تسوية خاصة- إطلاق السراح، تم إطلاق السراح بالسرعة نفسها، ودون أن يتغير شيء في الملف.
وهنا تحديدا تتجلى مأساة العدالة في موريتانيا:
ليست المشكلة في غياب النصوص؛ بل في عجزها الكامل عن حماية الحرية عندما تتدخل الإرادة السياسية. فالقرار الحقيقي لا يصنعه القانون، ولا القاضي، ولا مؤسسة الدفاع؛ بل تصنعه السلطة التي تملك القوة الفعلية، ثم يأتي القانون لاحقا ليبحث عن اللغة المناسبة لتبرير ما تقرر سلفا.








