التعليم أولًا… أين ينبغي أن يتجه الحوار الوطني المرتقب؟/ الدكتور عبد الله حمدي

في كل مرة يتهيأ فيها بلدنا لحوار وطني، يطرح السؤال نفسه: ما هي أولويات هذا الحوار؟ هل ينبغي أن ينصرف إلى معالجة الأزمات السياسية الآنية عبر التوافقات المؤقتة والمهدئات، أم يتجاوز ذلك إلى بناء رؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان، باعتباره أساس التنمية والاستقرار والسلم الأهلي؟

إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي جعلت التعليم في صدارة أولوياتها استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا ومجتمعًا متماسكًا، بينما ظلت الدول التي انشغلت بالصراعات السياسية وحدها تدور في حلقة مفرغة من الأزمات. ومن هنا، فإنني أرى أن التعليم يجب أن يكون القضية الوطنية الأولى في الحوار المرتقب، لأنه يمثل القاسم المشترك الذي يجتمع حوله جميع الموريتانيين.

ولعل البداية الطبيعية تتمثل في إجراء تقييم علمي وموضوعي لمسار المدرسة الجمهورية بعد خمس سنوات من انطلاقها. فقد كان هذا المشروع طموحًا واستثنائيًا، لكنه، كغيره من المشاريع الوطنية الكبرى، يحتاج إلى مراجعة تقيس ما تحقق من أهداف، وتكشف مواطن القوة والضعف، بعيدًا عن المبالغة في الإشادة أو التهوين من حجم التحديات.

ولا شك أن المدرسة الجمهورية تواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالتخطيط والتمويل والموارد البشرية، وهو ما يفرض تطوير السياسات التعليمية بما يضمن تحقيق أهدافها. كما أن بناء تعليم عمومي قوي وقادر على المنافسة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية للحد من التوسع المتزايد للتعليم الخاص الذي أرهق ميزانيات الأسر، مع ضرورة إخضاع المدارس الخاصة لتقييم جاد، وإلزامها بدفتر التزامات يضمن جودة التعليم واحترام المعايير الوطنية.

ومن المؤسف أن ميزانية التعليم ما تزال دون مستوى الطموحات، في وقت تتزايد فيه حاجات القطاع سنة بعد أخرى. كما أن إصلاح التعليم لن ينجح دون إدارة كفؤة ونزيهة، تعتمد معيار الكفاءة في اختيار المسؤولين، وتفسح المجال أمام الكفاءات الشابة القادرة على إدارة الموارد بشفافية وفعالية.

وتظل العدالة التعليمية إحدى أكبر القضايا التي ينبغي أن يناقشها الحوار الوطني، من خلال وضع استراتيجية حقيقية لمحو الأمية، وتعميم التمدرس في “آدوابه”، وتوفير البنية التحتية اللازمة، وتحسين ظروف الأسر الهشة حتى لا يكون الفقر سببًا في حرمان الأطفال من حقهم في التعليم.

كما أن النقص الكبير في الحجرات الدراسية، وضعف صيانة المؤسسات التعليمية، والحاجة إلى مراجعة الكتاب المدرسي، وتحسين أوضاع المدرسين، وضمان التكوين المستمر لهم، كلها ملفات لا يمكن تأجيلها إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا ومستدامًا.

ومن القضايا التي تستحق نقاشًا علميًا هادئًا أيضًا سياسة تعليم اللغات. فبعد سنوات طويلة من تدريس اللغات الأجنبية، ما تزال مستويات كثير من التلاميذ دون المأمول، كما أن تعليم العربية في بعض المناطق يحتاج هو الآخر إلى تقييم موضوعي يقيس المردودية الحقيقية. والمقصود هنا ليس التشكيك في أهمية اللغات، وإنما ترشيد السياسات التعليمية، وضمان أن تحقق الموارد المالية المستثمرة أفضل النتائج الممكنة.

ولا ينبغي أن يغيب عن هذا النقاش دعم الابتكار والبحث العلمي، وإعادة الاعتبار للتغذية المدرسية، وتوفير السكن للتلاميذ المنحدرين من الأسر الهشة، لما لذلك من أثر مباشر في الحد من التسرب المدرسي وتحقيق تكافؤ الفرص.

أما التعليم المهني والفني، فرغم ما حظي به من استثمارات، فإنه يحتاج إلى تقييم شفاف يجيب عن سؤال بسيط: لماذا ما يزال سوق العمل يعتمد بصورة واسعة على العمالة الأجنبية في كثير من المهن؟

وفي التعليم العالي، لا يمكن إنكار التطور الكمي الذي تحقق بإنشاء مؤسسات جامعية جديدة، وافتتاح برامج للماستر والدكتوراه، غير أن الجودة ما تزال تمثل التحدي الأكبر. فضعف الإنتاج العلمي، وغياب المجلات العلمية المحكمة في عدد من الكليات، والهوة بين مخرجات الجامعة ومتطلبات سوق العمل، كلها مؤشرات تستدعي مراجعة عميقة.

ومن أجل ضمان استمرارية إصلاح التعليم بعيدًا عن تغير الحكومات والوزراء، فإن من المناسب إبعاده عن السياسة و تجاذباتها والتركيز على الكفاءة المهنية في اختيار الإداريين والمدرسين. وهنا أقترح التفكير في إنشاء هيئة وطنية مستقلة تتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، تحمل اسم المجلس الأعلى للنهوض بالتعليم، وتُمنح صلاحيات التخطيط والمتابعة والتقييم، بما يضمن استمرارية الإصلاح وتحقيق أهدافه.

إن الحوار الوطني المرتقب سيكون فرصة تاريخية إذا نجح في تحويل التعليم من ملف إداري إلى مشروع وطني جامع، تتشارك فيه الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني والخبراء. فالتعليم ليس قطاعًا من بين القطاعات، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة، والضمانة الحقيقية للوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية.

فالأمم التي استثمرت في التعليم ربحت مستقبلها، أما التي أهملته فقد بقيت أسيرة الأزمات، مهما امتلكت من الثروات والإمكانات

 

j