وأنت تتصفح هذا العالم الافتراضي، تستوقفك بين حين وآخر صور الحشود والاستقبالات التي تُنظم لهذا الشخص أو ذاك، وما يصاحبها من احتفاء وتعليقات وقراءات. وربما كان من المفيد أن نتجاوز الأشخاص والمناسبات، لنتأمل ما وراء هذه المشاهد: أي ثقافة نريد أن نرسخ في حياتنا العامة؟
فالاستقبال الشعبي، في أصله، تعبير عفوي عن الترحيب والتقدير، وقد يكون مفهومًا في مواسم التنافس الانتخابي، حيث تسعى الأطراف إلى إظهار حضورها واختبار شعبيتها. أما خارج تلك السياقات، فإن تكرار الحشود يستحق بعض التأمل، خصوصًا حين يتحول حجم الحضور إلى ما يشبه مقياسًا للشعبية أو الوزن السياسي.
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل هذه المشاهد أكثر مما تحتمل؛ فالقرار السياسي له معاييره وحساباته التي تتجاوز مثل هذه المظاهر. كما أن المسألة لا تتعلق بمصادرة حق الناس في التعبير عن مشاعرهم، وإنما بالسؤال عن الأولويات: هل الأولى أن ننشغل بإبراز الأشخاص، أم ببناء ما يبقى بعدهم؟
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يستحق التوقف عنده، والمتصل بما عبّر عنه رئيس الجمهورية في ظهوره الإعلامي الأخير بكل وضوح ودقة : أن بناء الدولة لا يقوم على صناعة الأشخاص، وإنما على ترسيخ المؤسسات القادرة على الاستمرار، مهما تغيرت الأسماء والمواقع.
ومن هنا، ربما آن الأوان للانتقال بهدوء من ثقافة الحشود إلى ثقافة المؤسسات؛ حيث تكون المكانة ثمرة للكفاءة والعمل والإنجاز، وتكون الشعبية نتيجة طبيعية لما يقدمه السياسي للناس، لا لما يستطيع أن يحشده حوله.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بكثرة المستقبلين لمسؤوليها، وإنما بقوة مؤسساتها، وبقدرتها على احترام وقت مواطنيها، وحماية انتظام حياتهم، وتحويل العمل العام من ارتباط بالأشخاص إلى ارتباط بالإنجاز.
ولعل السؤال الذي تطرحه هذه المشاهد، في نهاية المطاف، ليس: كم شخصًا استطاع هذا المسؤول أن يحشد حوله؟ وإنما: ماذا ترك من مؤسسات قادرة على الاستمرار بعده؟








