حين تفرض المصلحة الوطنية مراجعة القناعات/ محمد لحظانه

سبق أن عبّرت عن قناعتي بضرورة عدم المساس بالمواد الدستورية المحصنة، انطلاقًا من إيماني بأن استكمال بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها أولى من الانشغال بتغيير النظام لمجرد التغيير. وكنت أرى أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير شكل النظام بقدر ما يتحقق بتطوير مؤسساته، وتصحيح اختلالاته، وتحسين أدائه، والاستجابة لتطلعات المواطنين. وما زلت متمسكًا بهذا المبدأ، لأنه في نظري يمثل أساس أي مشروع وطني جاد.

غير أن التمسك بالمبادئ لا يعني الجمود عند المواقف السابقة، ولا يمنع من إعادة تقييمها حين تتغير الظروف وتتجدد المعطيات. فالمواقف السياسية، مهما كانت دوافعها، ينبغي أن تظل خاضعة للنقاش والمراجعة، وأن تُقاس بمدى قدرتها على خدمة المصلحة الوطنية، لا بمجرد الوفاء لما تبنيناه منها في مرحلة سابقة.

ومن هذا المنطلق، أجدني اليوم أمام واقع سياسي يدفعني إلى مراجعة موقفي السابق من المواد الدستورية المحصنة، في ضوء ما تطرحه المرحلة المقبلة من أسئلة حول مستقبل موريتانيا، ولا سيما في ظل عدم بروز شخصية سياسية أراها، حتى الآن، بديلًا مقنعًا للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، من حيث الرؤية والقدرة على إدارة المرحلة ومواصلة مسار بناء الدولة.

ولا أطرح هذه الملاحظة باعتبارها حكمًا نهائيًا على الساحة السياسية، ولا باعتبارها مبررًا كافيًا لحسم أي خيار دستوري مسبقًا، وإنما بوصفها أحد العوامل التي تستحق أن تؤخذ في الاعتبار عند التفكير في مستقبل البلاد. فالسؤال لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، بل كذلك بمدى جاهزية المؤسسات والقوى السياسية لضمان انتقال مسؤول يحافظ على المكتسبات، ويواصل البرامج الناجحة، ويمنع أن تتحول كل مرحلة جديدة إلى بداية من الصفر.

إن استقرار الدول لا يتوقف على النصوص الدستورية وحدها، بل يرتبط أيضًا بقدرة مؤسساتها على ضمان استمرارية السياسات الناجحة، وبكفاءة من يتولون المسؤولية، وبمدى قدرتهم على تنفيذ البرامج والاستجابة لحاجات المواطنين. وفي الدول التي لا تزال مؤسساتها بحاجة إلى مزيد من الرسوخ والاستقلالية، تزداد أهمية التخطيط طويل الأمد وتراكم الإنجازات، حتى لا تؤدي التحولات السياسية إلى تعطيل المشاريع أو إهدار الجهود المبذولة.

وتظل موريتانيا، في هذا السياق، أمام تحديات كبيرة في مجالات الماء والكهرباء والطرق والتعليم والصحة، وهي مجالات لا يكفي فيها إطلاق الوعود، بل تتطلب استثمارات متواصلة، ومتابعة جادة، وتقييمًا مستمرًا للنتائج. واستكمال بناء الدولة يقتضي الحفاظ على ما يثبت نجاحه، وتصحيح ما تعتريه الاختلالات، وتعزيز قدرة المؤسسات على مواصلة العمل، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون المسؤولية.

ومن هنا، فإن استكمال بناء الدولة أولى من تغيير النظام لمجرد التغيير، لكن ذلك لا يعني التمسك بالوضع القائم لمجرد استمراره. فالاستمرارية ليست قيمة مطلقة، كما أن التغيير ليس إصلاحًا في حد ذاته؛ وإنما تتحدد قيمة كل منهما بقدرته على تحقيق المصلحة العامة، وصيانة المكتسبات، وتحسين حياة المواطنين، وتعزيز مؤسسات الدولة.

وهنا تكمن مراجعتي لموقفي السابق. فقد كنت أرى أن عدم المساس بالمواد الدستورية المحصنة هو الخيار الأضمن لاستقرار البلاد، أما اليوم فأرى أن من المشروع إعادة النظر في هذا الموقف، في ضوء الواقع السياسي وتحديات المرحلة، دون افتراض أن تعديل الدستور هو الحل الوحيد أو أن الوصول إليه نتيجة محسومة سلفًا. فالدفاع عن استكمال بناء الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى رفض مسبق لكل نقاش دستوري، مثلما أن الرغبة في الاستمرارية لا تبرر تجاوز الضوابط القانونية أو إغفال الضمانات الديمقراطية.

وبالنسبة إليّ، فإن عدم بروز بديل مقنع للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يمثل أحد الاعتبارات التي تدفعني إلى مراجعة قناعتي السابقة، لا لأنه يحسم وحده مستقبل البلاد، بل لأنه يثير سؤالًا مشروعًا حول الخيارات المتاحة وقدرة الساحة السياسية على تقديم بدائل تتوافر فيها الرؤية والكفاءة والقبول الوطني. ويبقى هذا التقدير قابلًا للنقاش والمراجعة، كما ينبغي أن تظل أي خيارات تتعلق بمستقبل البلاد خاضعة لمعايير موضوعية، تتقدمها المصلحة الوطنية واحترام الدستور.

وفي جميع الأحوال، لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون مؤسسات قوية، وانتخابات نزيهة، وحقوق وحريات مصونة، ومساءلة فعالة، وتداول سلمي على السلطة وفق القواعد الدستورية. فالمطلوب ليس استمرارية بلا شروط، ولا تغييرًا بلا تقدير للعواقب، وإنما مسار وطني يوازن بين استقرار الدولة وتجدد الحياة السياسية، ويجعل المؤسسات فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

إن مراجعة القناعات ليست بالضرورة تراجعًا عن المبادئ؛ فقد تكون تعبيرًا عن المسؤولية السياسية حين تتغير المعطيات وتستدعي المصلحة الوطنية إعادة تقييم الوسائل والخيارات. وبالنسبة إليّ، فإن إيماني بأولوية استكمال بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها لا يمنعني من مراجعة موقفي بشأن المواد الدستورية المحصنة، ما دامت هذه المراجعة قائمة على نقاش مسؤول، وتحترم الضوابط الدستورية، وتترك للبلاد ومؤسساتها والمواطنين مجالًا لتقييم الخيارات بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

 

 

j