الرسائل الرئاسية (1/2)/ عثمان جدو

في مستهل خطابه من عروس النهر كيهيدي؛ خلال زيارته المشهودة لولاية كوركول بعث فخامة رئيس الجمهورية برسائل رئاسية قيِّمة تتسم بالدقة والمكاشفة وبحمل صبغة المراسيم مما يعزز من أهميتها ولزوم تطبيقها وتنفيذها، وأول هذه الرسائل اعتزاز فخامة الرئيس بتاريخ كوركول العريق، وإشعاعها الخالد، وهي لعمري جرعة إنصاف تفتح شهية الذاكرة الجمعية نحو الاعتزاز بالانتماء الوطني الجامع.

ولقد دعَّم فخامة الرئيس هذا الإنصاف بتحسره على عدم إتقانه لأي من لغاتنا الوطنية؛ والتي كان يرجو أن يكون خطابه هذا موجه بإحداها على الأقل، وطبعا كان سيكون لذلك وقعه الخاص، ونشوته المميزة، وهذه النتيجة بالذات هي التي دفعت بفخامته إلى اعتماد مقاربة تصحيحية داخل جسم المنظومة التربوية والإدارية؛ تجسدت في إدخال تدريس لغاتنا الوطنية على مستوى المسار الدراسي القاعدي، وكذا على مستوى مدارس التكوين وهيئات التأطير.

ولقد أكد فخامته أن زيارته لولاية كوركول هي الأكثر وما ذلك بالحدث الاعتباطي، بل هو مصالحة معلنة بين القمة والقاعدة ورسالة احتضان لكل أبناء ومناطق الوطن، تعزيزا للحمة الاجتماعية، وقطيعة مع أساليب الإقصاء والتهميش التي كانت سمة ماضية.

من هذه الولاية الجميلة بتنوع سكانها، وجود طبيعتها، وخصوبة أرضها أطلق فخامة رئيس الجمهورية أهم مشروع تعهد به للمواطنين ألا وهو مشروع الإصلاح الكبير المتمثل في المدرسة الجمهورية؛ تلك المدرسة الجامعة التي تؤوي كل أبناء الوطن الواحد في مشهد جامع دون تمييز، على نفس الطاولة، وبذات الزي يتلقون نفس البرنامج؛ مما يزيد الانسجام والتآلف منذ نعومة الأظافر، وطبعا ستكون النتائج؛ لحمة وطنية قوية، ومخرجات متصالحة مع الذات والوطن، ومن هذه الولاية أطلق فخامة رئيس الجمهورية نداء جول الذي يعزز اللحمة الوطنية بين الكبار والراشدين، ويحارب النزعات العنصرية والدعوات القبلية، خاصة في أثوابها غير التكافلية.

في مهرجان كيهيدي؛ ومن خلال حشده المشهود، ظهرت موريتانيا بتنوعها في صورة مصغرة جامعة؛ تجسد مشهد الوطن الواحد، وهذا ما يبعث على العمل من أجل تماسك الشعب الواحد، وتوثيق عرى تضامنه، ولن يتأتى ذلك دون بناء وطن جامع يوفر العيش الكريم لكل أبنائه، ويسلك بهم مسلك النمو والازدهار، في ظل ديمقراطية شاملة، وعدالة منصفة، مفتاحها الوحيد هو المواطنة، وضامنها المعلن؛الحرية والمساواة.

إن من الرسائل المهمة التي أكد عليها فخامة رئيس الجمهورية؛ أنه لم يأت بدوافع ولدتها أزمات، أو أخرى قذفت بها استحقاقات، وإنما أتي بدافع الاتصال المباشر،والإصغاء عن قرب لآراء وتطلعات المواطنين، ومما يعزز صدقية هذا المنحى أن بلادنا تنعم ولله الحمد بالأمن والاستقرار، مما يستوجب صيانة هذه النعمة الكبيرة،والمحافظة عليها بيقظة المواطن الغيور على مصلحة بلاده المستعد دوما للذب عنها، وإقامة مصالحها بالعمل الجاد والبناء؛ في ظل وجود مؤسسات فعالة تضمن ذلك، وتعمل بأمان وانتظام.

ولقد تضمنت هذه الرسائل الرئاسية اعترافا ظاهرا أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان، والحصن المنيع في وجه كل التحديات، وهي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي العتبة الصلبة والمدرج الفعال لتحقيق التنمية والازدهار؛ فالجوامع الوطنية أقوى وأثرى وأعمق من روافد الخلاف الذي غالبا ما يكون في طبيعة الرأي لا في حقيقة الهدف، وهذا ما يجعل أنشودة الوحدة والاستقرار هي ترنيمة الجميع؛ قمة وقاعدة، ويُرفع شعار تأشيرة نوال الحقوق عن طريق المواطنة الصادقة فقط، بعيدا عن المحاصصة بالألوان أو الألقاب الطينية الضيقة.

من خلال مكاشفة فخامة الرئيس للمواطنين في مدينة كيهيدي أبان عن عمل الدولة على تعزيز التضامن والعدل والإخاء، ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم المدرسة الجمهورية وتطوير الخدمات الأساسية، وكذا التنمية الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، وتدعيم البنية التحتية؛ مما مكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مهم جدا تراوح بين 4,5 إلى 6% خلال السنوات الست الماضية.

إن الدولة الموريتانية لم ولن تتنكر للدور الريادي الذي لعبته ولاية كوركول في نهضة البلاد الاقتصادية، وعلى هذا الأساس عملت على تعزيز هذا الدور من خلال بناء السدود واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء والتعليم والصحة.

ولقد ذكَّر فخامة الرئيس الحاضرين ومن بعدهم الأمة أنه اعتمد نهج التشاور مع الجميع، وأجرى لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلق مسارا تحضيريا يوشك على الاكتمال من أجل عقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول القضايا الكبرى، والجوامع الوطنية؛

ونوه فخامته إلى أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة من ذي قبل لتحمل المسؤوليات بكل شجاعة تجاه التاريخ، والتحلي بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مُشرِّف ومزدهر، ولن يكون ذلك دون تجاوز العقليات البائدة وبناء المستقبل على أسس المساواة والتكافؤ على جميع الصعد، وفي هذا الصدد لم يدخر فخامة الرئيس الجهد المطلوب؛ تعزيزا لرباط المواطنة، وتقوية للحمة الوطنية، من خلال تغيير العقليات أولا، ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية ثانيا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك، وكسر حواجز الطبقية تتويجا لكل ذلك.

ومما لا شك فيه أن باب الإنجاز فُتح على مستويات عدة، تعزيزا للجهد التراكمي للأجيال، ولكون التاريخ الوطني مليء بالصفحات المشرقة، وبأخرى نقيض ذلك؛ فإنه من المحتم أن تظهر قوة الشعوب بوصفها المنقذ القادر على تجاوز اللحظات العصيبة، والفيصل الضامن للاستمرار على درب البناء والتقدم، لكن بوصلة ذلك كله في الاعتراف بالتاريخ دون خجل وفك أسر اللحظات المؤلمة؛ كي لا تبقى عقبة كأداء في وجه التقدم والنماء.

ومن الرسائل المسجلة في زيارة كوركول دعوة الرئيس أبناء الوطن في المهجر إلى المساهمة في بناء البلاد وإشادتهبدورهم في تمثيل الوطن، فيما اعتُبِر رسالة طمأنة وتقدير، مع التحذير من الانزلاق الذي قد يقع فيه البعض فيمتهن خطاب التفرقة والكراهية، مما يؤزم ويفرق ولا يجمع، ولم يُفوِّت الرئيس دعوة المواطنين إلى الإقبال على مراكز الحالة المدنية لتسوية وضعياتهم، والحصول على أوراقهم التي تعد جزءا ثابتا من حقوقهم.

لقد بين فخامة الرئيس أن الدولة وفرت فرصا كبيرة جدا في مجال التكوين المهني لمن لم يتمكنوا من مواصلة المشوار الدراسي النظامي الطبيعي، أو آثروا حبا وكرامة الإنخراط المبكر في مجال التكوين المهني، فرفعت لهم الطاقة الاستيعابية من 4 آلاف إلى 20 ألف مع وعد رئاسي بصبغة مرسوم أنها ستصل 23 مع نهاية العام الحالي بإذن الله تعالى.

ملاحظة: في هذا المقال الذي شكل الجزء الأول من هذه المعالجة تحت هذا العنوان اقتصرنا على الرسائل الواردة منمقاطعة كيهيدي (الخطاب الرسمي ولقاء الأطر فقط) ولنا عودة بإذن الله تعالى مع بقية الرسائل الواردة في لقاءات بقية المقاطعات، والتي يجب على المواطن والحكومة على حد السواء التعامل معها على أساس أنها مراسيم ملزمة التطبيق؛ فأوامر الرئيس وتوجيهاته الرسمية تكتسي تلك الصبغة القانونية، وهذا ما يجب على الجميع وعيه واستيعابه، والعمل بمقتضاه.

 

j