الكم وحده لا يصنع سلطة رابعة/ محمد ولد عمار

في النقاشات المتعلقة بالشأن العام في موريتانيا، كثيرا ما يرفع شعار التعددية الإعلامية بوصفه مطلبا ديمقراطيا، وهو ما تسعى اليه السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية والسلطات العمومية في البلاد  ،ويستدعى مفهوم "السلطة الرابعة" باعتباره الضامن للتوازن والرقابة والمساءلة. غير أن القضية في جوهرها لا تتعلق بمجرد تعدد المنابر أو ارتفاع عدد الوسائل الإعلامية، لأن كثرة الأصوات لا تعني دائما وجود إعلام تعددي حقيقي، كما أن امتلاك أدوات النشر لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع إعلامي قادرا على أداء رسالته بمهنية ومسؤولية.

إن التعددية الإعلامية ليست سباقا نحو تضخيم الضجيج، بل هي قدرة المجتمع على ضمان وجود مساحات متعددة للرأي والفكر والنقد والتحليل، تعمل وفق قواعد مهنية وأخلاقية واضحة. فالسلطة الرابعة لا تقاس بحجم العناوين الصاخبة ولا بعدد المتابعين، وإنما بقدرتها على إنتاج الوعي، وفتح نوافذ النقاش، وكشف الاختلالات دون أن تتحول إلى منصات لتصفية الحسابات أو أدوات للتجييش.

وفي الحالة الموريتانية تبدو المسألة أكثر تعقيدا، لأن الإعلام يتحرك داخل بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية شديدة الحساسية. مجتمع محافظ ومتعدد المكونات، وساحة سياسية متغيرة، وتحولات رقمية متسارعة جعلت المعلومة تنتقل بسرعة أكبر من قدرة المجتمع أحيانا على التحقق منها أو استيعاب آثارها. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: كيف يمكن بناء إعلام قوي وحر دون أن يتحول إلى فضاء للفوضى؟ وكيف يمكن حماية حرية التعبير دون أن تستغل لإنتاج الانقسام أو تغذية الاستقطاب؟ وهنا يأتي دور مراكز الأبحاث والدارسيين وأصحاب الرأي والمشرع في ايجاد أجوبة على هذه الأسئلة الجوهرية.

ومن هنا يبرز بعد آخر لا يقل أهمية عن حرية الإعلام نفسها، وهو البعد التنظيمي والمهني. فمسألة الترخيص لوسائل الإعلام لا ينبغي أن تختزل في استكمال إجراءات إدارية أو استيفاء متطلبات قانونية شكلية، لأن منح الترخيص هو في الحقيقة منح لحق التأثير في الرأي العام وتشكيل الوعي الجماعي. وهذا يفرض أن يبنى نظام الترخيص ودفاتر الالتزامات على رؤية مهنية دقيقة تجعل العنصر البشري المتخصص أحد أهم معايير الاعتماد والاستمرار.

فالمؤسسة الإعلامية لا تقاس فقط بعدد أجهزتها واستوديوهاتها أو بقدرتها المالية، وإنما أيضا بامتلاكها كفاءات مهنية مؤهلة من صحفيين ومحررين ومختصين في الإنتاج الإعلامي والاتصال والقانون والأخلاقيات المهنية. إذ لا يمكن الحديث عن إعلام مسؤول إذا كان المحتوى يدار بمنطق الارتجال أو يخضع بالكامل لحسابات السبق والإثارة على حساب الدقة والجودة.

كما أن دفاتر الالتزامات ينبغي ألا تكون وثائق جامدة توضع في الأدراج، بل أدوات فعلية لضبط المحتوى الموجه للجمهور وفق ضوابط تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية وتحترم أخلاقيات المهنة وحق الجمهور في الحصول على معلومة دقيقة ومتوازنة. فالغرض ليس التضييق على الحريات أو فرض الوصاية على الإعلام، وإنما الانتقال من مرحلة "حرية الوصول إلى المنصة" إلى مرحلة "مسؤولية ما يقدم عبر المنصة" بمعنى الانتقال من اهمية الوسيلة الإعلامية الى قدسية الخطاب الإعلامي (المحتوى).

لقد أثبتت التجارب أن الإعلام عندما يفقد توازنه يفقد جزءا من رسالته. فحين يتحول إلى مجرد امتداد للصراع السياسي، يصبح أقرب إلى أداة تعبئة منه إلى مؤسسة رقابة. وحين ينحصر في الدفاع الأعمى أو المعارضة المطلقة، يفقد استقلاليته، لأن السلطة الرابعة ليست سلطة هدم دائم ولا سلطة تبرير دائم، وإنما سلطة مساءلة دائمة.

إن الحاجة في موريتانيا اليوم لم تعد إلى مزيد من المنابر فقط، بل إلى مؤسسات إعلامية قوية، توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين حق التعبير وواجب المهنية، وتؤمن بأن بناء إعلام مؤثر يبدأ من بناء الإنسان الذي يصنع هذا الإعلام(المحتوى او المنتج) قبل بناء المنصة التي تنشره.

فالسلطة الرابعة حين تؤدي دورها بوعي ومسؤولية لا تقف في مواجهة الدولة، بل تقف إلى جانبها وهي تصحح مسارها، وتدافع عن المجتمع وهي تحمي حقه في المعرفة وفي المعلوم الصادقة بعيدا عن المزايدة. لأن الإعلام في نهاية المطاف ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هو أيضا أداة تساهم في تشكيله.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا في الحالة الموريتانية ليس: كم نملك من وسائل إعلام؟ بل: أي إعلام نريد؟ إعلام يضاعف الانقسام أم إعلام يصنع الوعي؟ إعلام يطارد الإثارة أم إعلام يبني الثقة؟ فهناك تبدأ التعددية الحقيقية، وهناك فقط تستحق السلطة الرابعة اسمها.

 

j