تداولت المنصات الألكترونية تصريحا لمعالي وزير الداخلية خلال الاجتماع التحضيري لامتحان البكالوريا، والذي شدد فيه على حماية الامتحان ومكافحة الغش وضمان النزاهة،
واعتبر البعض هذا التصريح؛ تأكيداً قويا على أن البكالوريا ليست مجرد امتحان تربوي، بل هي رهان وطني يتعلق بالعدالة وتكافؤ الفرص والثقة في المدرسة الجمهورية.
ولإن كان نظام البكالوريا في بلادنا يُعتبر أداة مهمة لضمان المساواة بين المترشحين وانتقاء الطلاب الجيدين للتعليم العالي، فإن تطويره يقتضي التخفيف من رهبة الامتحان الواحد، وتعزيز التقييم المستمر، ومواصلة الجهود الأمنية والتنظيمية التي أكد عليها معالي وزير الداخلية لضمان النزاهة والشفافية، ولذلك فإن نجاح نظام الباكلوريا المنشود يتطلب أمرين متكاملين:
أولهما: تشديد الرقابة لمحاربة الغش وحماية مصداقية الشهادة؛ فكثيرا ما أضر الغش بالامتحانات وأثار اللغط في ماضي السنوات، حاله حال التسريب والتهاون والاضطراب في التصحيح وهي أمور أصبحت شيئا ما من الماضي؛ خاصة في طرقها التقليدية.
ثانيهما: مواصلة إصلاح المنظومة التعليمية لتقليل الاعتماد على الامتحان النهائي وحده، وإعطاء وزن أكبر للتقويم المستمر والكفاءات العملية التي قد لا تنكشف حقيقتها الكامنة في أيام قليلة وساعات معدودة؛ قد تؤثر فيها عوامل نفسية أو اجتماعية أو أي إكراهات لحظية طارئة.
ولهذه الاعتبارات مجتمعة يمكن أن يُفتح الباب واسعا لتقييم نظام البكالوريا في بلادنا من حيث نقاط القوة ومكامن الضعف.
ومن إيجابيات نظام البكالوريا في بلادنا:
- تكافؤ الفرص بين التلاميذ فالامتحان امتحان وطني موحد يخضع له جميع المترشحين وفق نفس المعايير.
- يحد من تأثير الفوارق بين المؤسسات التعليمية.
- ضمان مستوى أكاديمي موحد إذ تمثل البكالوريا معياراً وطنياً لقياس مخرجات التعليم الثانوي فتساعد بذلك الجامعات على انتقاء الطلاب بناءً على نتائج موحدة.
- تعزيز الجدية والاجتهاد فالباكلوريا تشكل محطة حاسمة تدفع التلاميذ إلى بذل جهد أكبر خلال المرحلة الثانوية.
-المصداقية الوطنية للشهادة ذلك بأن شهادة البكالوريا مازالت تحظى بمكانة معتبرة باعتبارها بوابة التعليم العالي، وتؤكد السلطات التربوية والأمنية سنوياً على حماية مصداقيتها بترسيخ النزاهة ومحاربة الغش.
أما سلبيات نظام البكالوريا القائم فمنها:
-الاعتماد المفرط على امتحان واحد بموجبه قد يتوقف مستقبل التلميذ على بضعة أيام من الامتحان مهما كان مستواه طوال السنة.
-الضغط النفسي الكبير إذ تعيش الأسر والتلاميذ حالة من القلق والتوتر بسبب أهمية النتيجة.
-انتشار محاولات الغش فالتطور التكنولوجي يجعل الامتحان عرضة لمحاولات الغش والتسريب، التي كادت تعصف بمصداقية الامتحان الهام في بعض السنوات القليلة الماضية مما يستدعي إجراءات أمنية وتنظيمية متواصلة ومشددة ومضاعفة.
- ضعف مراعاة الفروق الفردية فضيق وقت الامتحان يجعله لا يقيس دائماً وبالمستوى الكافي المهارات العملية والإبداعية والقدرات الشخصية للتلميذ.
-هيمنة الحفظ والاستظهار؛ فما زالت بعض المواد تعتمد بدرجة كبيرة على استرجاع المعلومات أكثر من تنمية التفكير النقدي والتحليل.
وعندما نحاول الاستئناس بمقارنة نظام الباكلوريا في بلادنا ببعض الدول المحيطة ونأخذ مثلا دول المغرب العربي نجد أنه يختلف، لكنه يشترك في كونه شهادة ختم التعليم الثانوي والمؤهل الرئيسي للالتحاق بالتعليم العالي.
في بلادنا تجرى البكالوريا في نهاية المرحلة الثانوية.
تعتمد أساسًا على امتحان وطني موحد يحدد النجاح والمعدل النهائي.
في المغرب يمتد سلك البكالوريا على سنتين بعد الجذع المشترك.
يعتمد التقييم على ثلاثة عناصر:
المراقبة المستمرة- الامتحان الجهوي الموحد في السنة الأولى بكالوريا- الامتحان الوطني الموحد في السنة الثانية بكالوريا.
في الجزائرالبكالوريا امتحان وطني موحد يجتازه التلميذ في نهاية التعليم الثانوي، ويعتمد النجاح أساسًا على نتائج الامتحان النهائي الوطني.
تونس تعد من أقدم أنظمة البكالوريا في المنطقة، ويوجد بها نظام دورة رئيسية ودورة مراقبة (استدراكية) لبعض المترشحين وهي تختلف عن الدورة التكميلية عندنا في سياقها ومضمونها.
-أما طريقة التقييم فهي في بلادنا عبارة عن امتحان وطني نهائي أساسًا
وفي المغرب مراقبة مستمرة + امتحان جهوي + امتحان وطني
وفي الجزائر عبارة عن امتحان وطني موحد
وفي تونس عبارة عن امتحان وطني مع دورة مراقبة
ويُعتبر النظام المغربي الأكثر اعتمادًا على التقييم المستمر خلال سنوات الدراسة، بينما تميل بلادنا والجزائر أكثر إلى حسم النتيجة عبر الامتحان الوطني النهائي، في حين تجمع تونس بين الامتحان الوطني وإمكانية الاستدراك عبر دورة المراقبة.
بعد هذه المقارنة السريعة وعرض التفاصيل الوجيز يتبادر للهن السؤال التالي: ما الداعي للاستمرار على نفس النظام رغم مرور عقود من الزمن شهدت تطورا كبيرا في منظومات التربية على مستوى دول كثيرة في العالم، وما الفوائد المنتظرة في حال تغيير نظام الامتحان والتقويم أو تحيينه أو تعديله؟
وللجواب على هذا السؤال فإن بلادنا إذا اعتمدت نظام الباكلوريا القائم على التقويم المستمر بدل الاعتماد شبه الكامل على الامتحان النهائي، فإن هناك عدة فوائد متوقعة على المستوى التربوي والتعليمي ومنها:
1. تقليل رهبة الامتحان النهائي: في النظام الحالي قد يتحدد مستقبل الطالب في بضعة أيام من الامتحانات، وقد تؤثر ظروف صحية أو نفسية عابرة على نتيجته.
أما التقويم المستمر فيوزع التقييم على مدار السنة الدراسية، مما يجعل النتيجة أكثر ارتباطًا بالمستوى الحقيقي للطالب.
2. تشجيع العمل المنتظم: فبدلاً من الاعتماد على المراجعة المكثفة قبيل الباكلوريا، يصبح الطالب مطالبًا بالاجتهاد طوال العام من خلال الفروض والاختبارات والأنشطة المختلفة، وهو ما يعزز الانضباط الدراسي.
3. تحسين جودة التعلم: فالتقويم المستمر يساعد المدرسين على اكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل تراكمها، بدلاً من انتظار الامتحان النهائي لمعرفة مستوى التلاميذ.
4. قياس مهارات أوسع: لأن الامتحان النهائي يقيس غالبًا القدرة على استرجاع المعلومات في وقت محدد، بينما يسمح التقويم المستمر بتقييم مهارات البحث والتحليل والعروض والمشاريع والعمل الجماعي.
5. الحد من ظاهرة الحفظ الآلي: فعندما تكون العلامة موزعة على أعمال متعددة يصبح التركيز أكبر على الفهم والاستيعاب بدل الحفظ المؤقت الذي ينتهي بانتهاء الامتحان.
ولكون أي إجراء توجد معه أو تصاحبه تحديات يجب الانتباه لها؛
فمثلا قد يفتح الباب للمحاباة أو تفاوت المعايير بين المؤسسات إذا لم تكن هناك رقابة صارمة.
ويحتاج الأمر إلى تكوين جيد للمدرسين وآليات دقيقة للتقييم.
وقد تزداد صعوبة تطبيقه في الأقسام المكتظة أو في المؤسسات التي تعاني نقصًا في الموارد.
كذلك التجارب التربوية المختلفة أظهرت أن سوء تطبيق التقويم المستمر قد يؤدي إلى تضخم النتائج وضعف المخرجات التعليمية إذا غابت المتابعة والاختبارات المعيارية.
وللاعتبارت المذكورة آنفا يتولد سؤال جديد هو: ما النظام الأنسب لبلادنا؟
فغالبًا لا يكون الحل في إلغاء الباكلوريا التقليدية بالكامل، بل يمكن أن يكون في نظام هجين يجمع بين:
40% إلى 50% من المعدل عبر التقويم المستمر خلال السنة.
50% إلى 60% عبر امتحان وطني موحد يضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
وبهذه الصيغة نستفيد من مزايا التقويم المستمر مع الحفاظ على مصداقية الشهادة الوطنية وعدالة المنافسة بين المترشحين.
وفي الأخير فإن كل ما ذكر من إمكانية تحسين نظام الباكلوريا يمكن تطبيق جزئيات منه على نظام كونكور الذي لم يعد مقبولا أيضا أن يظل على نفس النمط خلال هذه العقود المتعاقبة، رغم ما حصل من تطور في البنية العمرانية والكفاءة والكثافة التأطيرية، وهي أمور تنفي أو تلغي الأسباب القديمة التي جعلت اعتماد هذه المرحلة على نمط مسابقة محدودة هي الأخرى في أيام، مع الإشارة إلى التحسينات التي طرأت عليها، والتي منها لا مركزية الطرح والتقويم، وإن كانت آلية ذلك تطرح أسئلة جوهرية منها: هل أصبحت المصادر البشرية وألية الرقابة في الداخل على مستوى الكفاءة والنضج؛ الذي ينفي حصول الظلم المتولد عن المجاملة والمحاباة أو حب التفوق في الذكر أو الرضوخ لبعض الإكراهات المحلية؟ أم أننا بحاجة إلى فرض الرقابة على آلية التقويم والرقابة نفسها برقابة أخرى أشمل وأعم مركزيا وجهويا؟.
نظام الباكلوريا في موريتانيا وضرورة المراجعة/ عثمان جدو








