إذا أردنا دولة قوية وقادرة على المنافسة، فعلينا أن نبدأ من المدرسة، لكن لا ينبغي أن نتوقف عندها،نبدأ ببناء الإنسان، ونواصل ببناء المؤسسة، ونصل في النهاية إلى بناء الدولة التي يرى الكل ذاته فيها.
ينبغي أن ندرك أن إصلاح التعليم ليس قطاعًا من قطاعات التنمية فحسب، بل هو منطلق التنمية وأساس بناء الدولة الحديثة. فالدول لا تنهض بالمساعدات النقدية ولا بالطرق والجسور والمشاريع الاقتصادية وحدها، وإنما تنهض قبل ذلك ببناء الإنسان، وترسيخ المؤسسات، وإقامة دولة تحكمها القوانين وتحترمها.
ومن هنا، فإن إصلاح التعليم يتطلب ترشيد الموارد الحالية المحدودة، ورفع كفاءتها، وزيادتها، وفتح المجال أمام موارد جديدة من القطاع الخاص والشركاء الوطنيين والدوليين. فالمشكلة ليست دائمًا في حجم الموارد، وإنما في كيفية توجيهها، وترتيب الأولويات، وضمان وصولها إلى الأهداف التي خُصصت من أجلها.
إن المستثمر، وخاصة المستثمر العالمي، لا يبحث فقط عن طريق معبّد أو سكة حديد أو ميناء حديث؛ وإنما يبحث قبل ذلك عن دولة مستقرة، وبيئة قانونية شفافة، وقضاء موثوق، وجهاز أمني قادر على حماية الأشخاص والممتلكات، وضمانات سيادية تحمي الاستثمار، ونظام مالي ومصرفي رصين يقوم على الشفافية والمساءلة.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين إصلاح التعليم وبناء الدولة: فالمدرسة تبني الإنسان، والإنسان الكفء يبني المؤسسة، والمؤسسة القوية تبني دولة قادرة على تحقيق التنمية وجذب الاستثمار وحماية ثروات المجتمع.
إن بناء دولة لها هيبتها لا يعني دولة تخيف مواطنيها، وإنما دولة يحترم فيها القانون، وتُصان فيها الحقوق، وتُحترم مؤسساتها، ويُكافأ فيها الكفء، ويُحاسب فيها المقصر، وتُدار مواردها العامة بمنطق المصلحة الوطنية لا بمنطق الولاءات الشخصية أو الاعتبارات الضيقة.
ولذلك، فإن الحديث عن إصلاح التعليم يجب ألا ينفصل عن الحديث عن إصلاح الإدارة، وتقوية المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، ومحاربة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار. فهذه حلقات مترابطة في مشروع وطني واحد.
إن النهضة المنشودة لا تبدأ عندما تتوفر لنا موارد ضخمة، وإنما تبدأ عندما نحسن إدارة ما لدينا، ونستثمر في الإنسان، ونبني مؤسسات قوية، ونخلق الثقة بين المواطن والدولة، وبين المستثمر والدولة،فمتى سندرك تلك الحقائق؟.








