في أدبيات السياسة والاقتصاد التنموي، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً أمام الشعوب والتحالفات الوطنية هو: "كيف نضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وسط التقلبات العالمية؟"
تُظهر تجارب الأمم الناجحة أن التحولات التنموية الكبرى لا تتحقق بين عشية وضحاها، ولا تتأسس عبر القطائع السياسية المتكررة، بل عبر مبدأ تراكم الإنجاز والاستمرار في النهج. وتستوقفنا هنا التجربة البرازيلية الملهمة تحت قيادة الرئيس " لولا دا سيلفا" ، لنقرأ من خلالها أبعاد المنطق البراغماتي الذي تحتاج الدول.
عندما تولى لولا دا سيلفا قيادة البرازيل، لم تكن برامجه الاجتماعية—وفي مقدمتها "بولسا فاميليا"—مجرد توجه إنساني عاطفي أو مبدئي ، بل كانت استراتيجية اقتصادية براغماتية بحتة.
إن ضخ السيولة المالية والخدمات الأساسية في شرايين الفئات الفقيرة والمهمشة أدى إلى دمج عشرات الملايين في الدورة الاقتصادية النشطة. فتحول الفقراء من مجرد عبء على الدولة إلى طاقة استهلاكية وإنتاجية ضخمة رفعت الطلب الداخلي وشجعت الاستثمار المحلي والدولي. والنتيجة أن البرازيل قفزت في عهده من اقتصاد يواجه التعثر إلى المرتبات الأولى ضمن أكبر اقتصاديات العالم (دول بريكس).
ولعل الدرس الأبرز هنا هو أن البرازيليين، بحسهم البراغماتي، أدركوا أن نجاح الدولة مرتهن بتمكين الرؤية الاجتماعية من الوقت الكافي لتؤتي أكلها الكامل؛ فكان خيار الاستمرارية السياسية وإتاحة المدى الزمني اللازم للرجل هو الضامن للوصول بهذه التجربة إلى نضجها الأقصى.
على الجانب الآخر من المحيط، وفي موريتانيا، تشهد الساحة الوطنية مقاربة تنموية تتشابه في العمق مع فلسفة النهوض البرازيلي. فقد اتخذ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خياراً استراتيجياً صارما بوضع العدالة الاجتماعية ومكافحة "الغبن الاجتماعي" في صدارة أجندة الدولة، عبر برامج هيكلية مثل (تآزر)، والتأمين الصحي الشامل، ودعم القدرة الشرائية، وإنشاء "المدرسة الجمهورية" والتمييز الإيجابي لصالح الفئات الهشة .
هذا التوجه لم يكن استجابة لمطالب فئوية ، بل هو قرار براغماتي ذكي يستهدف تحصين الجبهة الداخلية، وتحويل المناطق والفئات الضعيفة إلى روافع للتنمية الوطنية. إنها قراءة واعية تعي تماماً أن الاستقرار والتنمية في بلد يمتلك ثروات واعدة (كالغاز والعديد من المعادن) لا يمكن أن يستتبا إلا بتوسيع قاعدة الاستفادة وإشعار كافة المواطنين بأنهم جزء من حلم البناء الوطني.
تُعلمنا التجربة البرازيلية أن السياسات الاجتماعية الكبرى والتصحيح التاريخي للتفاوت التنموي يحتاجان إلى نفَس استراتيجي طويل واستقرار في الرؤية والقيادة. فالإصلاحات البنيوية التي تمس الفئات الهشة وتُعيد بناء الاقتصاد تحتاج سنوات لتترسخ وتتحول إلى ثقافة مؤسسية لا يمكن الارتداد عنها.
إن الفكر البراغماتي يفرض على المجتمعات التي تسير في طريق النهوض أن توازن بين القواعد الجامدة وبين المصلحة العليا في حماية المكاسب الوطنية واستكمال الورشات الكبرى. فحين يُثبت الخيار السياسي جدواه في تحقيق الأمن الاجتماعي والنمو الاقتصادي، يصبح استمرار هذا الخيار وتهيئة الأطر القانونية والسياسية الكفيلة بدعمه ضمانةً أساسية لاستقرار البلد ومستقبله.
إن تجربة لولا تذكرنا دائماً بأن الشعوب الواعية هي التي تدرك لحظات التحول التاريخي، وتتمسك بالنهج الذي انتبه لفقرائها وشيّد أركان عد التوزيع، وتوفر له كل السبل والمدد ليبلغ مقاصده التنموية الكبرى.
لذلك انتخبب لولا للمرة الرابعة واحتفل ملايين البرازيليين البسطاء بالنجاح نتيجة إصرارهم على التقدم بالرغم من دعوات الجمود والتقهقر تحت شعرات سياسية براقة.
فلماذا لا نستفيد من الدرس؟
محمد افو








