ولد اجاي: بصمة في مسار التنفيذ/ محمد لحظانه

في المشهد السياسي، تتشكل بعض القراءات على نحوٍ يوحي بأن التنفيذ يمكن فصله عن مصدره، وأن من يتولى تنسيق العمل الحكومي قد يتحرك بمعزل عن الرؤية التي انبثق منها. غير أن هذا الطرح، عند التدقيق، يبدو أقرب إلى تبسيط مخلّ لا يعكس طبيعة العمل التنفيذي، الذي يقوم في جوهره على وحدة الاتجاه وتكامل الأدوار.

فالتجربة الوطنية كرّست بوضوح أن الانسجام بين رئيس الجمهورية والوزير الأول ليس تفصيلًا شكليًا، بل هو شرط فعلي لنجاعة القرار. والتنفيذ، في هذا السياق، لا يُقاس بمدى استقلاله عن الرؤية، بل بقدرته على ترجمتها إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وعند الانتقال من مستوى هذا الجدل إلى مستوى الوقائع، تتضح الصورة بدرجة أكبر من الحسم. فالوزير الأول يتحرك ضمن إطار قوامه تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، من خلال تنسيق العمل الحكومي وضمان انسجام تدخلات القطاعات. ويبرز في هذا المسار حرصٌ واضح على التقيد الدقيق بالتوجيهات، لا في إعلانها فحسب، بل في تتبع أثرها بشكل منتظم، وهو ما يعكس ممارسة تنفيذية قائمة على المتابعة والمسؤولية.

ويأخذ هذا الحرص بعدًا عمليًا من خلال انتظام عرض نسب تقدم المشاريع العمومية، بما يعكس وجود آلية تتبع وتقييم مستمرة. وهذا الربط بين القرار والتنفيذ والمعطيات لا يكتفي بتقديم صورة عن التقدم، بل يؤسس لثقافة قائمة على القياس والمساءلة. والأهم أن هذه المؤشرات، إلى الآن، لم تُواجه بمعطيات موثقة تنقضها، رغم تعدد زوايا النقد، وهو ما يعزز الحاجة إلى نقاش أكثر اتصالًا بالوقائع.

وفي هذا السياق، يبرز أثر هذا النهج بشكل أوضح في مجال السياسات المالية. فقد سجلت ميزانية الدولة تحسنًا في مستوى المداخيل، في نتيجة تعكس تحسنًا في الانضباط وتكاملًا في أدوات التسيير. وهذا التحسن لا يظل حبيس الأرقام، بل ينعكس على قدرة الدولة في تمويل مشاريعها، ويعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين، ويسهم في استقرار السوق وتخفيف الضغوط على النشاط الاقتصادي. وهنا تتجلى قيمة التنسيق الفعّال، حين يتحول من إجراء إداري إلى أثر اقتصادي ملموس.

وتتأكد ملامح هذا المسار أكثر عند النظر إلى بعض الإجراءات التطبيقية، ومن بينها ما شهدته جمركة الهواتف. فقد تم الانتقال من مقاربة جزافية إلى مقاربة قائمة على نسب محددة ومعايير واضحة، وهو تحول نوعي يعزز العدالة والشفافية ويحدّ من التقدير غير المنضبط. كما يندرج هذا التحول ضمن مسار أوسع يقوم على مغادرة منطق التقدير الجزافي للضرائب نحو اعتماد تحديد فعلي قائم على معايير واقعية وقابلة للقياس، وهو تطور يحمل دلالات عميقة في ترسيخ حكامة جبائية أكثر عدلاً ووضوحًا.

أما تخفيض بعض الرسوم لاحقًا، فلا يمكن فهمه باعتباره تراجعًا، بل يأتي في سياق ضبط النسبة وتكييفها بعد تثبيت المبدأ. وبذلك، يكون الإصلاح قد استقر أولًا على منهجيته، ثم انفتح على تحسين أدواته، وهو ما يعكس قدرة على التطوير دون التفريط في الأساس، ويمنح هذا المسار قيمة مضافة حقيقية في إدارة الموارد.

وبناءً على ذلك، فإن النقاش الأجدى لا ينصرف إلى محاولة الفصل بين الأدوار داخل الجهاز التنفيذي، بل إلى تقييم السياسات من خلال نتائجها، حتى وإن انطلق البعض من زوايا نظر مختلفة. فالتجارب الإصلاحية، بطبيعتها، لا تخلو من تحديات، غير أن معالجتها تظل أكثر نجاعة حين تتم من داخل منطق البناء والتقويم، لا من خلال إضعاف صورة الانسجام التي تُعد في حد ذاتها عنصرًا من عناصر القوة.

غير أن هذا النقاش يكتسب بعدًا أكثر إلحاحًا في ظل السياق الدولي المتسارع، حيث تتزايد المؤشرات على اضطرابات اقتصادية عالمية قد تنعكس على الأسعار وكلفة الاستيراد وسلاسل الإمداد. وهو ما يجعل من الضروري رفع مستوى الجاهزية الداخلية، ليس فقط على مستوى السياسات، بل أيضًا على مستوى الخطاب العام.

ومن هنا، يصبح تعزيز التماسك بين مختلف الأطياف السياسية وقادة الرأي ضرورة لا تقبل التأجيل، لا بوصفه اصطفافًا، بل باعتباره شرطًا لحماية التوازنات وتقليل كلفة التأثر. فالتحديات حين تتسع، لا تُواجه بتوسيع دوائر الاختلاف، بل بتقوية مساحات الالتقاء، ويغدو دعم التوجه العام — في حدوده الموضوعية — مسؤولية جماعية تسهم في تأمين عبور أكثر استقرارًا وأقل كلفة.

هكذا تتضح الصورة حين يُقاس التنفيذ بقدرته على تحويل التوجيه إلى أثر، وحين يصبح الانسجام عنصر قوة في لحظة تتطلب وعيًا جماعيًا، لا مجرد تباين في المواقف.

 

 

 

j