الشرعية التنموية: خيار موريتانيا للعبور الآمن نحو جمهورية ذات تقاليد ومؤسسات / محمد افو

قام نظام غزواني على ثلاثة مسارات متكاملة في إدارة التنمية وبناء الدولة. يتمثل الأول في المسار الاستعجالي، الذي يستهدف معالجة الاختلالات الأكثر إلحاحاً التي تمس الفئات الهشة والمحرومة، وترجمة مبدأ العدالة إلى سياسات وبرامج ذات أثر مباشر. ويقوم الثاني على المسار التنموي الحكومي التقليدي، من خلال تنفيذ البرامج القطاعية والاستثمارات العمومية وتطوير الخدمات والبنى التحتية وتعزيز النشاط الاقتصادي. أما الثالث فهو المسار الاستراتيجي والتأسيسي، الذي يتجاوز مجرد تنفيذ المشاريع إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، وترسيخ قواعد الحكامة والاستقرار وتعزيز قدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذ سياساتها. وبهذا المعنى، لا تعمل المسارات الثلاثة بصورة منفصلة؛ فالاستعجالي يعالج اختلالات الحاضر، والتنمية الحكومية تبني مقومات المستقبل، بينما يضمن المسار الاستراتيجي أن تتحول هذه التدخلات إلى مؤسسات وسياسات وقواعد مستقرة لا ترتبط بظرف سياسي أو دورة حكومية عابرة.

تُشكل العلاقة التكامليّة بين التدخلات الاستعجالية الفورية والمخططات التنموية الكبرى الركيزة الأساسية التي تنطلق منها الفلسفة التنموية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وتستند هذه الرؤية إلى قناعة راسخة تُدرك أن بناء البنى التحتية الكبرى وعصرنة الاقتصاد لا يمكن أن يحققا أهدافهما دون وجود جبهة داخلية متماسكة، وتحصين مجتمعي يحمي الفئات الأكثر احتياجاً من تقلبات الأزمات العالمية والمحلية. ومن هذا المنطلق، لم تعد البرامج الاستعجالية، التي تبرز ضمنها المندوبية العامة "تآزر" كأداة تنفيذية متكاملة ذاتياً، مجرد مساعدات عابرة، بل تحولت في فكر الرئيس إلى سياسة تمكين حقيقية مهدت الطريق أمام المشاريع الإستراتيجية للدولة لتعمل في بيئة مستقرة وآمنة.
إن هذا التناغم الوظيفي يهدف إلى بناء  "شبكة أمان" وطنية شاملة، 
تنقل الفرد  الموريتاني من دائرة الانتظار والاتكالية إلى واقع العمل والانخراط في التنمية 
و تحمي الأسر الصدمات المعيشية والفقر المدقع   .  
وتسخر الخطاب والفعل  السياسيين نحو نقاش وطني واع يحسن الشراكة والتعاطي ، وتحميه من التشرذم والمنابزة وسياسات التصفية السياسية وكسر العظم .

غير أن هذا البناء التأسيسي الهادئ، بطبيعته الإستراتيجية، يطرح معضلة كبرى تتعلق بـ "المدى الزمني"؛ فالمشاريع الهيكلية الكبرى والتحولات الاجتماعية العميقة لا تنضج ثمارها في دورات انتخابية قصيرة أو متقلبة، بل تتطلب استقراراً مؤسسياً ممتداً يحميها من الهزات السياسية والشعبوية.
مخاطر التحول الفجائي..

لأن التاريخ السياسي والاقتصادي المعاصر يثبت أن خطأ "التغيير من أجل التغيير فقط" قد يعصف بأقوى التجارب الإصلاحية وأنجعها .
ففي أمريكا اللاتينية، شهدت الأرجنتين عهداً من الإصلاحات الهيكلية والانفتاح الاقتصادي في فترة (2015-2019)، لكن التحول الفجائي نحو نظام جديد تبنى سياسات شعبوية عام 2009 أغرق البلاد في تضخم قياسي تجاوز 100%. 
وفي البرازيل، تسببت الوعود الشعبوية والتدخل الحكومي المفرط بعد عام 2011 في إجهاض الطفرة الاقتصادية الشهيرة وعودة البلاد إلى ركود حاد.

هذا السيناريو تكرر في إفريقيا بشكل أكثر عمقاً؛ ففي زامبيا، قاد الرئيس "ليفي موناواسا" (2002-2008) حملة صارمة ضد الفساد وإصلاحات مالية جعلت بلاده أسرع اقتصادات القارة نمواً، ولكن مع تغير النظام عام 2011 وتبني سياسات إنفاق استهلاكي مفرط، دخلت البلاد في أزمة ديون سيادية خانقة انهار على إثرها الاقتصاد. 
و في غانا، و بعد عصر ذهبي من الانضباط المالي والنمو الهيكلي في عهد "جون كوفور" (2001-2009)، أدى صعود إدارة جديدة تحت ضغط الوعود الانتخابية الضيقة إلى عجز مالي ضخم وهبوط حاد في قيمة العملة، مما أجبر الدولة على العودة إلى قروض صندوق النقد الدولي. هذه الدروس تؤكد أن هشاشة البناء التنموي في دول العالم الثالث لا تتحمل المغامرة بتبديل رأس الهرم السياسي في مراحل التأسيس الحرجة.

و في المقابل، برزت تجارب دولية وإقليمية أدركت مبكراً أن الديمقراطية ليست قالباً إجباريا جامداً، بل هي أداة مرنة يجب تكييفها مع الواقع الاجتماعي والضرورات التنموية للبلد.
ففي آسيا، زاوجت سنغافورة بقيادة "لي كوان يو"  في مرحلة تأسيسها بين الممارسة السياسية والاستقرار الصارم لرأس الهرم، ( امضى لي كوان يو 35 عاما على رأس الحكم وكيف الديمقراطية لتأسيس دولة مدنية عصرية وحرة  ) ممّا سمح بصياغة خطط اقتصادية عابرة للأجيال نقلت المجتمع السنغافوري  من قاع الفقر المدقع والجهل إلى مصاف الدول الأكثر تقدما في العالم .
وتُظهر تجربة كوريا الجنوبية أن التحولات الكبرى لا تُبنى في دورة سياسية قصيرة؛ فقد أمضى بارك تشونغ-هي نحو 18 عاماً في الحكم  ، أتاحت استمرارية السياسات والخطط بناء قاعدة صناعية ومؤسسات اقتصادية ، الشيء الذي فشل الجمود الديمقراطي قبله في التأسيس له بل وأغرق البلاد في سلسلة من الأزمات والديون والمجاعات .

النهضة لا تتحقق  بمجرد إطلاق المشاريع، بل في حمايتها ضمن مسار تراكمي يحتاج إلى وقت كافٍ  تتحول فيه السياسات إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى تقاليد، والنتائج إلى قدرة دائمة على النمو .

وليس ببعيد عنا، نجحت رواندا بقيادة "بول كاغامي" في صياغة "الديمقراطية التوافقية الموجهة"، حيث تم تكييف الدستور والمشهد السياسي لمنع الانقسامات الحزبية وضمان استقرار الرؤية التنمية، مما أثمر عن "المعجزة الرواندية" بمعدلات نمو ناهزت 8% وكفاءة مؤسسية جاذبة للاستثمار العالمي.

وفي إثيوبيا، قاد نموذج "الديمقراطية التنموية" في عهد "ملس زيناوي" أسرع نمو اقتصادي غير نفطي في القارة، مستنداً إلى استقرار النظام السياسي لبناء أضخم مشاريع البنية التحتية كمسار ممتد لعقود دون انقطاع.


إن المقاربة التنموية  التي تنتهجها موريتانيا اليوم تؤكد صحة المسار؛ فالسياسات الرشيدة لا تترك الإنسان يواجه مصيره بانتظار اكتمال المشاريع الطويلة المدى، بل تضعه ضمن شبكة أمان تحميه من الهشاشة وترفعه من مستهلك محتاج إلى فاعل منتج و تضمن كرامته وتؤهله ليكون شريكاً في المستقبل. وبذلك، تتكامل الأدوات الاستعجالية مع الطموحات الإستراتيجية في تكاملية  تنموية واحدة، تجعل من التضامن الاجتماعي رافعة للاقتصاد، ومن النمو الاقتصادي مظلة تحمي الجميع دون إقصاء أو تمييز.
لكن صيانة هذه الرؤية التنموية وحمايتها من مصير الانتكاسات ، يفرض على النخب الموريتانية قراءة الواقع ببراغماتية؛ فالديمقراطية الموريتانية يجب أن تُكيّف آلياتها الدستورية والسياسية لتخدم هدف الاستمرارية والاستقرار الاستراتيجي. إن تمديد الآجال السياسية للنظم التأسيسة ليس التفافاً على الديمقراطية، بل هو تكييف عاقل لها لضمان نضوج ثمار "جمهورية التأسيس الهادئ" والعبور بالبلاد بأمان نحو جسور الإنتاج الفعلي، بعيداً عن التجاذبات السياسية الحادة التي قد تعيد البناء إلى نقطة الصفر.
 

 

j